شوقية عروق منصور: تحت الدرج.. فوق السطح!

 

-أ –

بين صفارات الإنذار والركض هناك مسافة من الذعر ومساحة من الحيرة، فجأة تبرز الحقيقة لا نملك الملجأ، أقرأ ملامح الخوف على وجوه صغاري، تبدو جدران البيت واهية، ضعيفة، مستسلمة، تترصد صوت الصاروخ المنطلق بصراخ ووعيد، وأصابع مدربة على الضرب باحتراف.

– ب –

تحت الدرج .. قلتها وأنا اغسل خارطة البيت وهندسة الغرف وفشلي في أيجاد المكان الآمن،  وخلف الخطوات، تحلق الذاكرة، أذكر أنني كنت صغيرة عام 1967، عندما نشبت الحرب لم يجد أبي مكاناً آمناً إلا مغارة كانت مهملة، أو الأحرى كانت مكاناً لرمي النفايات، وفجأة تحولت إلى عنوان يسطع أماناً لأهل الحارة، بدأ التنظيف والترتيب وفرش أرضية المغارة ببقايا سجاجيد مهترئة، أذكر لم نحتاجها ولم ندخلها يوماً، لأن الحرب انتهت بسرعة .

وبقيت مكاناً شاهداً على أيام تكسرت فيها أضواء القلب، وقبل أيام تذكرت المغارة، وأخذت أتكلم عنها بأسلوب يزقزق الزمان على لساني، اتصلت بشقيقي وسألته عن المغارة .. أجاب بذهول : أي مغارة ؟ قلت له: التي كانت في الحارة، ضحك علي وأخذ يردد المثل ” يطعمك الحجة والناس راجعة ” لقد هدموا المغارة منذ زمن ..  وأصبحت جزءاً من الطريق الالتفافي الذي قاموا بشقه خلف حارتنا. وشعرت أنني راقصت اخطبوط الزمن .

– ت –

” يلا تحت الدرج”.. ثمة عبارات أصبحت بطاقات سخرية .. ما أن أسمع صفارات الإنذار، حتى أرى أولادي يضحكون علي ويقلدون صوتي ويرددون ” يلا .. بسرعة تحت الدرج ” .. وما أن أجلس حتى اتحول إلى كتلة صمت وترقب، تنتظر هجوم بقايا حطام الصاروخ الشرسة، المتوحشة ، مخترقة الجدران والنوافذ.

أما الأبناء فتكون عيونهم مغروسة في شاشات الهواتف، هذا يكمل حديثه مع صديقه، وتلك تكمل مسلسلها، ينظرون إليّ وعلى شفاههم بقايا ابتسامات تنتظر الافراج عنها .

– ث –

لا أعرف لماذا خطرت على بالي أغنية المطرب محمد رشدي “تحت الشجر يا وهيبة”.. أغنية قديمة من سنوات الستينات، وأنا لست من المعجبات بهذا المطرب .. ولكن “تحت الدرج و “تحت الشجر”.. وفجأة قفزت صورة أبي، نعم.. في سنوات التسعينات أثناء “حرب صدام” حين كانت كلمة “الكيماوي” والصواريخ العراقية تحمل رائحة الموت السريع.

أذكر كيف رفض أبي ارتداء الكمامة وأصر على أن “العمر واحد” وبقي على إصراره ونكاية بأمي وبخوفنا، كان جلس تحت شجرة الليمون طوال الوقت حتى ينتهي زمن الإنذار .

ومن باب السخرية كان أخي يقوم بالتقاط الصور، وقد التقط لجميع أفراد العائلة صوراً وهم يرتدون الكمامات، وقد أصبحت الصور جزءاً من تاريخ مر بأهازيج الفرح ولكن سرعان ما انطفأ حيث في جميع الصور كان أبي غائباً..

– ج –

ضحكات، صراخ، كأن حفلة فوق سطح بيت الجيران هناك.. هناك..!!

فتحت النافذة وإذا بالجيران يقفون على سطح بيتهم، يراقبون مرور الصاروخ الملتهب ،يختمون ضحكاتهم بتفاصيل طوله وشكله وسرعته، قبل اغلاق النافذة، قام أبنهم الصغير بدعوتي للصعود على سطح بيتهم لرؤية الصاروخ، دعوة تتأمل براءة الملامح التي تنام على موسيقى أفلام الكرتون ، فقلت له: يعني إذا وقفت على سطح بيتنا لن أراه ؟! أجاب بثقة الجنرال الذي “أدار مئات المعارك”: “سطحنا بجيب كل الصواريخ”!! وأمي بتقول.. انتو بتخافوا بتتخبوا تحت الدرج”..!!

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى