رناد علي جبارين: ثلاثة قدور عيدٌ كبير … ثلاث نساء عاصفة!

مثل أجنبي قديم قيل على سبيل المزاح، إلّا أنّني أدركت لاحقًا أن النّساء لا تصنع الضّجيج بل تصنع التّحوّلات..
فبعض النساء إعصارٌ جميل، يخلخل ترتيبك كي تعيدي ترتيب نفسك بطريقةٍ تليق بك أكثر.
وفي حياتي عبرت ثلاث نساء، كل واحدة منهن كانت رسولًا يحمل لي من نفسي خبرًا.
الأولى التقيتها في ممرات الجامعة، بينما كنت منشغلة بالاستفسار عن بعض الأمور عند السكرتيرة، خرجت هي — مديرة الفرع. بادلتني حديثًا قصيرًا عابرًا، ثم مضت.
وبعد خطوات، رجعت للوراء، وكأن شيئًا ما بي جذب خيط ذاكرتها لتسأل عمّا إذا لاحظتُ الشّبه بيننا، وكأن وجهًا من ماضيها ناداها في وجهي.
أجبتها مسرعة، وبفطنةٍ عهدتها في نفسي:
“ -نحن لا نرجع للوراء لمجرد إخبار أحدهم عن شبهٍ عابر..
والعودة – دائمًا – اعتراف!”
تنبَّهت لسرعة بديهتي، واستسلمت لحديثٍ امتد لدقائق أخرى. أخذت تلحّ عليّ أن أفتش في جذوري؛ إذ لا بد من عِرقٍ أجنبي أو دمٍ غريب يفسّر هذا الحضور. وحين كنت أجيبها بالنفي، كانت تبتسم وبإصرارٍ غريب تقول:
“ -أنتِ… بس فتّشي”
ختمت اللقاء باعترافٍ باذخ، وقد رأت فيّ ما رأت من التناقض المتّسق، ومن ثمّ مضت وهي تعمّدني بلقب الاستثناء، وتقول:
“ -لديك صفات نادرًا ما تجتمع في شخصٍ واحد ”
أما الثانية، فكانت قريبةً باعدت بيننا دروب الحياة. وفي زحام إحدى المناسبات قرّرتُ أن أباغتَ غيابنا بلمسةٍ طفولية؛ تسللت خلفها وأغمضت عينيها بكفّي. لم تحتج للالتفات، ولم تتردد لحظة وهي تنطق اسمي بيقينٍ هزّ كياني.
سألتها بذهول:
– كيف عرفتِني؟
أجابتني بكلمةٍ واحدة:
“ -من رائحتك”
في تلك اللحظة سافر بي الخيال إلى عبق فيلم Scent of a Woman، آل باتشينو في دور الضابط الأعمى المتقاعد فرانك سليد؛ ذاك الذي لم يكن يحتاج للبصر ليفهم النساء. كان يقرأ تاريخهنّ، أحزانهنّ، وخيباتهنّ من رشة عطر، أو من عبق مسامهنّ.
أدركت حينها أن لي هويةً عطرية، وأن لرائحتي بصمةً روحية..
إذ ثمة نساء يرحلن، وتبقى روائحهن عالقة في ستائر الذاكرة.
أما من توّجت هذه الرحلة، فهي تلك التي رأتني من خلف شاشةٍ باردة. استوقفتها حروفي على جدار فيسبوك، أخلط فيها — كعادتي — ضعفي بكبريائي، وأخفي حزني خلف الاستعارات.
علّقت:
“ -تكتبين بروحك.”
لم تقل جميلة..
لم تقل مبدعة..
قالت: روحك..
وكأنها نزعت عني كل الأقنعة دفعةً واحدة.
أخاف من الذين يرون الروح… لا يمكن خداعهم.
هكذا اكتملت أسطورتي الشخصية :
امرأة تجمع الأضداد في تناسقٍ مريب، لها رائحةٌ تهزم الغياب، وروحٌ تقبض على ناصية القلم.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



