بروفيسور قتيبة إغبارية: لماذا يشعر بعض الناس أنهم لا ينتمون لأي مكان؟

قد يعيش الإنسان وسط عائلته أو بين أصدقائه أو في مجتمع كامل، ومع ذلك يشعر في داخله بشيء من الغربة. كأنه حاضر جسديًا بين الناس، لكنه لا يشعر حقًا أنه جزء منهم. هذا الشعور الذي يوصف أحيانًا بأنه فقدان الإحساس بالانتماء ليس نادرًا، بل يعيشه كثير من الناس في مراحل مختلفة من حياتهم.

أحد الأسباب المهمة لهذا الشعور يرتبط بتجارب الطفولة المبكرة. فالطفل الذي لم يشعر بالاحتواء الكافي أو القبول غير المشروط داخل أسرته قد يكبر وهو يحمل في داخله إحساسًا خفيًا بأنه مختلف أو غير مرغوب فيه بالكامل. ومع مرور الوقت قد يتطور هذا الإحساس إلى اعتقاد داخلي بأن مكانه الحقيقي غير موجود.

كما أن بعض الأشخاص يمرون بتجارب رفض اجتماعي أو تنمر أو نقد متكرر في مراحل مبكرة من حياتهم. هذه التجارب قد تترك أثرًا عميقًا في الصورة الذاتية، فيبدأ الإنسان بالشعور أنه لا يشبه الآخرين أو أنه لا ينسجم معهم، حتى عندما لا يكون هذا الشعور دقيقًا في الواقع.

هناك أيضًا جانب نفسي يتعلق بالهوية الشخصية. فمرحلة المراهقة والشباب غالبًا ما تتضمن بحثًا عميقًا عن الذات: من أنا؟ ما قيمي؟ أين مكاني في العالم؟ عندما يكون هذا البحث طويلًا أو معقدًا، قد يشعر الإنسان لفترة أنه عالق بين هويات مختلفة، فلا يشعر بانتماء كامل لأي منها.

كذلك قد يظهر هذا الشعور لدى الأشخاص الذين يمتلكون حساسية نفسية عالية أو عمقًا فكريًا أو عاطفيًا. فهؤلاء قد يشعرون أحيانًا أنهم يفكرون أو يشعرون بطريقة مختلفة عن محيطهم، مما يعزز إحساسهم بأنهم غرباء قليلًا عن البيئة التي يعيشون فيها.

لكن من المهم إدراك أن الانتماء ليس دائمًا شيئًا يُعطى للإنسان جاهزًا، بل هو شيء يُبنى عبر العلاقات والتجارب المشتركة. فعندما يجد الإنسان أشخاصًا يتقبلونه كما هو، ويشارك معهم القيم أو الاهتمامات أو التجارب، يبدأ الشعور بالانتماء بالتشكل تدريجيًا.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون الانتماء الحقيقي مرتبطًا بمكان واحد فقط، بل يتشكل من دوائر متعددة من العلاقات والمعاني التي تمنح الإنسان الإحساس بأنه جزء من شيء أكبر من نفسه. وعندما يكتشف الإنسان هذه الدوائر، قد يدرك أن الشعور بالغربة لم يكن علامة على أنه لا ينتمي، بل ربما كان خطوة في طريق البحث عن المكان الذي يشبهه حقًا.

** لماذا يجد بعض الناس صعوبة في التفويض أو ترك الأمور للآخرين؟

يلاحظ أحيانًا أن بعض الأشخاص يفضلون القيام بكل شيء بأنفسهم، حتى عندما يكون العمل كبيرًا أو مرهقًا. فهم يجدون صعوبة في تفويض المهام للآخرين أو ترك جزء من المسؤولية لشخص آخر. قد يعتقدون أن الأمور لن تُنجز بالشكل المطلوب إذا لم يتولوا هم إدارتها بالكامل.

أحد الأسباب الشائعة لذلك هو الرغبة القوية في السيطرة على التفاصيل. فبعض الناس يشعرون بالراحة عندما يكون كل شيء تحت إشرافهم المباشر. التفويض بالنسبة لهم قد يخلق شعورًا بعدم اليقين، لأنهم لا يعرفون بالضبط كيف سيؤدي الآخرون المهمة.

كما أن هناك عاملًا مرتبطًا بالسعي نحو. فالأشخاص الذين يضعون معايير عالية جدًا للأداء قد يعتقدون أن الآخرين لن يصلوا إلى نفس مستوى الدقة أو الجودة. لذلك يفضلون القيام بالعمل بأنفسهم بدلًا من تحمل احتمال أن يتم إنجازه بطريقة مختلفة عما يتصورونه.

وفي بعض الحالات يكون السبب قلة الثقة بالآخرين. فقد يكون الشخص قد مرّ بتجارب سابقة شعر فيها أن الآخرين لم يلتزموا بالمسؤولية أو لم يؤدوا العمل بالشكل المطلوب. هذه التجارب قد تدفعه لاحقًا إلى الاعتماد على نفسه بشكل مفرط.

هناك أيضًا جانب نفسي يتعلق بالهوية والإنجاز الشخصي. فبعض الأشخاص يربطون قيمتهم الذاتية بمدى قدرتهم على القيام بكل شيء بأنفسهم. عندما ينجزون الكثير من المهام يشعرون بأنهم أكثر كفاءة وأهمية، لذلك قد يجدون صعوبة في التخلي عن هذا الدور.

لكن المفارقة أن عدم التفويض قد يؤدي مع الوقت إلى الإرهاق والضغط النفسي. فالإنسان الذي يحاول التحكم بكل التفاصيل قد يجد نفسه مثقلًا بالمهام، وقد يشعر أحيانًا بأن المسؤوليات أكبر من طاقته.

التفويض في الواقع ليس علامة ضعف، بل هو مهارة تنظيمية ونفسية مهمة. فعندما يتعلم الإنسان الثقة بالآخرين وتوزيع المسؤوليات، يصبح العمل أكثر توازنًا وكفاءة. كما أن التفويض يمنح الآخرين فرصة للتعلم والمشاركة، ويخفف في الوقت نفسه العبء النفسي عن الشخص الذي يحمل كل المسؤولية وحده.

** لماذا يصعب على بعض الناس إنهاء العلاقات المؤذية؟

قد يبدو من الخارج أن الخروج من علاقة مؤذية أمر بسيط: إذا كانت العلاقة تسبب الألم أو الإهانة أو الاستنزاف النفسي، فمن الطبيعي أن يتركها الإنسان. لكن الواقع النفسي أكثر تعقيدًا من ذلك. فكثير من الناس يدركون أن العلاقة تؤذيهم، ومع ذلك يجدون صعوبة كبيرة في إنهائها.

أحد الأسباب المهمة لذلك هو التعلق العاطفي. فالعلاقات لا تقوم فقط على اللحظات السلبية، بل غالبًا ما تتخللها لحظات من القرب والاهتمام والذكريات المشتركة. هذه اللحظات تجعل العقل يتمسك بالأمل في أن يعود الشخص الآخر كما كان في البداية، أو أن تتحسن العلاقة مع الوقت.

كما أن بعض الأشخاص يخشون الوحدة أو الفراغ العاطفي بعد انتهاء العلاقة. فقد يفضل الإنسان البقاء في علاقة غير مريحة على مواجهة شعور العزلة أو البدء من جديد، خاصة إذا كان يشعر أن إيجاد علاقة أخرى قد يكون صعبًا.

هناك أيضًا عامل نفسي يتعلق بما يسمى الاستثمار العاطفي. فكلما قضى الإنسان وقتًا أطول في علاقة، وقدم فيها مشاعر وجهدًا وتضحيات، يصبح من الأصعب عليه التخلي عنها. يشعر وكأنه إذا ترك العلاقة فإنه سيخسر كل ما استثمره فيها من وقت ومشاعر.

وفي بعض الحالات يرتبط الأمر بالصورة الذاتية. فالأشخاص الذين يعانون من تقدير ذات منخفض قد يعتقدون في أعماقهم أنهم لا يستحقون علاقة أفضل، أو أن ما يعيشونه هو الحد الطبيعي لما يمكن أن يحصلوا عليه.

كما تلعب الديناميات النفسية للعلاقة المؤذية دورًا مهمًا. ففي كثير من العلاقات المؤذية يحدث نوع من التذبذب بين الإساءة والاهتمام، وهو ما يخلق حالة من التعلق المعقد؛ إذ يتمسك الشخص باللحظات الجيدة القليلة ويأمل أن تصبح هي القاعدة.

لكن إدراك هذه الآليات النفسية يساعد الإنسان على فهم نفسه بشكل أعمق. فالصعوبة في إنهاء علاقة مؤذية ليست علامة ضعف، بل غالبًا نتيجة تداخل المشاعر، والذكريات، والخوف من المجهول.

وعندما يبدأ الإنسان في استعادة ثقته بنفسه وإدراك قيمته، يصبح قادرًا تدريجيًا على اتخاذ قرارات تحمي صحته النفسية. فالعلاقات الصحية لا تقوم على الألم المستمر، بل على الاحترام، والأمان العاطفي، والنمو المتبادل.

**بروفيسور قتيبة إغبارية، ابن قرية معاوية، مطور نموذج “روافد” لتعزيز الرفاهية النفسية

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى