مرعي حيادري: طفل الحرب!

في أحد أحياء المدينة التي مزقتها الحرب، كان عليّ يجلس على ركام منزله المهدوم، يراقب السماء التي امتلأت بالدخان الرمادي.
لم يكن يتجاوز الثامنة من عمره، لكن عيناه حملتا ما لا يطيقه طفلٌ صغير: الخوف، والجوع، وفقدان الأمان..
في الصباح، خرج يبحث عن بقايا خبز، أو أي شيءٍ صالح للأكل، وكلما مرّ بجدران المدينة المدمرة، كان يسمع أصوات انفجارات تتخللها صرخات البالغين، ويشعر بأن العالم كله غاضبٌ منه، وكأن الحرب تستهدف براءته..
لكن وسط كل هذا الخراب، كان هناك نور صغير:
طفلةٌ من الحي ذاته، كانت تقدم له كوب ماء، وابتسامةً دافئة رغم الخوف..
قالت له: “لا بأس، لن يظل هذا إلى الأبد… يومًا ما سيعود كل شيء طبيعيًا.”
ابتسم عليّ، وكأن قلبه اكتشف معنى الشجاعة لأول مرة:-
أن يعيش رغم كل الألم، وأن يثق بالخير حتى لو بدا نادرًا، وأن الأحلام، مهما صغر حجمها، قادرة على إضاءة العتمة..
مرت الأيام، وتعلم عليّ أن الحرب قد تسرق الكثير، لكنها لا تستطيع أن تأخذ براءة القلب كله.. وجد في كل زقاقٍ يمرّ فيه، وفي كل ابتسامةٍ صادقة، شعاع أملٍ يُذكره بأن الإنسانية لا تموت..
العِبرة:_
حتى في أحلك اللحظات، براءة القلب والتمني الصغير قادران على إنقاذ الإنسان والإنسانية..
**
** الحربُ والأعياد.. حكايةٌ من حكايا الوجدان الإنساني
في صباحِ العيد، استيقظتِ المدينةُ على أصواتِ التكبير، وتزيَّنتِ الشوارعُ بضحكاتِ الأطفالِ وثيابِهم الجديدة. كانت الأبوابُ تُفتَحُ للتهاني، والقلوبُ تتبادلُ دعواتِ الخير، وكأنَّ الفرحَ قد قرَّر أن يزورَ الناسَ ولو لساعةٍ من الزمن..
غيرَ أنَّ الريحَ التي مرَّتْ فوقَ تلك البيوتِ حملتْ في طريقها صدى بعيدًا… صدى حربٍ لا تعرفُ العيدَ ولا تعترفُ ببراءتِه. ففي مكانٍ من هذا العالم، كانت أمٌّ تُودِّعُ طفلًا لم يُمهِلْه القدرُ ليرتدي ثوبَ العيد، وكان بيتٌ آخرُ يكتفي بصورةٍ معلَّقةٍ على الجدار بدلَ ابتسامةٍ كانت تملأ المكان..
وهنا يقفُ الإنسانُ حائرًا أمامَ واحدٍ من أعجبِ متناقضاتِ الحياة: كيف للعيدِ أن يُعلِنَ الفرح، بينما تُزهَقُ أرواحٌ بريئة؟.. وكيف للضحكةِ أن ترتفعَ في بيتٍ، بينما ينطفئُ النورُ في بيتٍ آخر؟..
ربما لأنَّ الحياةَ ليست وجهًا واحدًا؛ فهي تجمعُ بين الدمعِ والبسمة، بين الفقدِ والرجاء. لكنَّ وجدانَ الإنسانِ الصادق لا يكتملُ فرحُه ما دام في الأرض قلبٌ مكسور، ولا يطمئنُّ عيدُه ما دامت المدافعُ تتكلَّم بدل القلوب..
العِبْرَةُ: لَيْسَ العِيدُ ثَوْبًا جَدِيدًا نَرْتَدِيهِ، وَلَا زِينَةً نُعَلِّقُهَا عَلَى الأَبْوَابِ؛ بَلِ العِيدُ حَقِيقَةٌ تَكْبُرُ حِينَ يَحْفَظُ الإِنْسَانُ إِنْسَانِيَّتَهُ، وَيَصُونُ حَيَاةَ البَرِيءِ.
فَإِذَا سَكَتَتِ الحُرُوبُ.. واطْمَأَنَّتِ الأَرْوَاحُ، عِنْدَهَا فَقَطْ يَكْتَمِلُ مَعْنَى العِيد..!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى