ب. إبراهيم طه: الكبسولة السابعة والسبعون (77).. قال أبو طه: “اليوم الوضع كُبّة!”

 

دالّة العلاقة بين سطوة الواقع والحنين طرديّة تصاعديّة. حين تكون عناوين الجريدة كلّها حربًا وعدوانًا وسطوًا ودمًا وخرابًا فكيف لا يصير “الوضع كُبّة”؟! وحين يصير “الوضع كبّة” فكيف لا يحنّ أبو طه، الذي يصون القديم ويرعى الرميم، إلى أيّام زمان؟!

لكن، لا أعرف كيف صارت الكبّة مثالًا لسوء الحال وهي مفخرة المطبخ الفلسطينيّ خصوصًا إذا كانت شغل حماتي أمّ راغب! على كلّ حال، الأعراس العربيّة ومجالس العزاء أبرز المصادر الدقيقة لقراءة نبض الناس..

كان أبو طه يتحدّث في مجلس عزاء عندنا في البلد عن الحرب والصحّة البدنيّة والنفسيّة. لم يكن يتحدّث بالضبط، كان يحرّق على نفسه وعلينا وهو يُرافع، يتحسّر، يتّهم ويحمّل الحرب كلّ الأمراض التي في الدنيا، التي كانت والتي ستكون.. استحليتُ حديثه فقلت أرويه عنه في كبسولة. وهكذا ذابت لغته في لغتي في توليفة خاصّة يسمّونها المونولوج المرويّ (NM) أو الصوت المزدوج. قال أبو طه ما معناه:

الحرب خراب بيوت تأتي بالعلّة من قبرص (وكأنّ قبرص في آخر الدنيا!). عدد الدكاترة في البلد بالعشرات في كلّ التخصّصات والحمد لله. منهم قامات طبّيّة عالية نفاخر بها ونباهي.

وعشرات العيادات في كلّ زاوية في البلد.. كلّ هذا صحيح، لكن الأمراض تزيد. كلّ يوم عندك نوع جديد. تدخل إلى العيادة لإجراء الفحوصات تلقاها ملآنة حتّى من الشباب. وحين تروحُ إلى الفرمشيّات تجد قدّامك صفًّا طويلًا مثل الباص، والناس طالعة حاملة محمّلة بالأكياس!

كان عندنا دكتور واحد. اسمه فاضل عبد النبي، يهوديّ عراقيّ. كان أوّل من فتح عيادة في كابول في الستينيّات. كان يأتي كلّ يوم جمعة لأربع خمس ساعات. وكانت عيادته غرفة مستأجرة في دار المرحوم الشيخ صالح الحاجّ أبو محمّد. والدكتور من قلّة الشغل كان يقضي وقته في ديوان مع بعض المسنّين يقرأ لهم قصائد من الشعر العربيّ القديم.

كان الدكتور فاضل، مرّات كثيرة، يرجع إلى بلده دون أن يجبر بخاطره أحد! فالبلد عندها اكتفاء ذاتيّ في كلّ التخصّصات. كنّا نستغني عن دكتور العظام بالمجبّر. والداية تشتغل دكتورة نسوان. وطبّ العيون سهل. أيّ صبيّ في البلد يعرف كيف يمسح عينيه “المعمّصة” بشقفة ثوبٍ خَلَقٍ مغموسة بشاي فاتر. وطبّ العائلة هيّن مثله. والعجائز وكبار السنّ كانوا حافظين كلّ وجع أو مغص ووصفته الخاصّة. وطبّ الأسنان ماذا يحتاج؟! ليس أكثر من خيط مصّيص ماكنٍ، أو كمّاشةٍ عتيقة، ليقلعوا الضرس ووجعه. حتّى العلاج النفسانيّ معروف. أيّ شيخ أو حافظ لبعض السور من كتاب الله ويحسن فنّ الرقية والحُجُب يستطيع أن يقوم بالواجب… وأيّ مرض آخر غير هذه التخصّصات علاجه الكيّ. “والكيّ آخر الدوا”..

السؤال يا جماعة كيف وصلنا من دكتور واحد في كلّ البلد، لا يدقّ بابه أحد، إلى دكتور واحد لكلّ ولد؟! كيف؟! كيف دبّرنا حالنَا مع “دكترة” فلّاحين وأدوية تطلع في الحواكير والربعان والخلايل “واليوم صار الوضع كُبّة”؟! كيف؟!!!

كثرة الحروب يا عمّي تهدّ الحيل والباه، تقطع النسل وتسحب العقل!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى