د. يوسف جبارين: خمسون عامًا على يوم الأرض.. دروب النضال ونهج الكرامة

الثلاثون من آذار، يوم الأرض، هو محطّة فارقة في تاريخ المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل، بل في مسيرة الشّعب الفلسطينيّ عمومًا. جاء هذا اليوم كمحطّة نضاليّة وكفاحيّة جمعيّة ضدّ سياسات التّهويد، المصادرة، التّضييق، والاقتلاع وضدّ مشاريع السّلطة الّتي كانت (وما زالت) تهدفُ إلى نهب الأراضي العربيّة وسلبها من أصحابها الأصليين، وأصبح أحد الأيام الوطنيّة المركزيّة الجامعة لكافّة ابناء وبنات الشّعب الفلسطينيّ في كلّ أماكن تواجدهم، إذ دخل إلى تقويمنا الوطنيّ ويتم احياؤه ليس فقط لدى الأقليّة الفلسطينيّة في البلاد، بل لدى عموم الفلسطينيين في الضّفة وغزّة والشّتات.
صنع شعبنا هذا اليوم بالنّضال الشعبي والتحدّي الوطنيّ، ليسدّ الطريق أمام مخططات سلخ الأراضي العربيّة عن أصحابها وأوهام التّطهير العرقيّ استمرارًا لنكبة العام 1948. في يوم الأرض، ثبّت شعبنا معادلة الصّمود والبقاء في الوطن، وأكّد على أنّ هذا البقاء يتطلب منّا أن نتمسّك بما تبقّى من أراضينا، ليس فقط لأنّها موردًا ماديًا أساسيًا نحتاجه كأقلية قومية لمواصلة مسيرة الصمود والبقاء والتطور، بل ايضًا لأنّها تشكّل بالنسبة لنا الحبل السرّي إلى الزّمان والتّاريخ والذّاكرة الجمعيّة، لأنّ هذه الأرض، أرض الآباء والأجداد، باتت إحدى أهم مكوّناتنا الوجوديّة بوصفنا مجموعةً قوميّة أصلانيّة. لأنّنا نشبهها وتشبهنا، ولأنّنا منها وإليها.
لا يمكن استحضار هذا اليوم والتّفكّر عميقًا في عِبره دون تذكّر البصمات الخالدة للقيادات التّاريخيّة الوطنية الّتي صاغت ملامح تلك المرحلة، وخاصّة قرارها إعلان الإضراب العام واتّخاذ طريق التحدّي كقرار نضاليّ، بقيادة طيّب الذكر القائد توفيق زيّاد، من أجل إحباط مشاريع التّهويد والمصادرة والنهب. هذه القيادة رسّخت بمواقفها الوطنيّة معادلة الصّمود والبقاء في الوطن، وعبّدت دروب النضال ضد مخطّطات التهويد والاقتلاع: طريق التحدّي لا المساومة، طريق المواجهة بكرامة، لا المقايضة. في أحلك اللّحظات واجهت هذه القيادة سياسات التّجهيل القوميّ وحافظت على فلسطينيّة الجماهير العربيّة الباقية في وطنها، وأسّست بذلك للتّوجهات والأدوات النّضاليَة لأهالينا في الجليل والمثلث والنقب والساحل.
بهذا المعنى، فإن يوم الأرض بالنسبة لنا ليس حدثًا ماضويًا ينتمي إلى القرن الماضي، وليس يومًا ذا دلالةٍ رمزيّة فقط، يحييه النّاس كما هو الحال عند باقي الشّعوب الّتي تحيي أيامها الوطنيّة الهامّة، بل يحمل يوم الأرض دلالات راهنة ومتجدّدة، ومن عام لعام. في سياق نضال المجتمع الفلسطيني في البلاد، فان كلّ يومٍ يحمل تحديات يوم أرض، إذ أن مشاريع المصادرة وعقليّة التّهجير وذهنيّة التّضييق والتمييز حاضرة بكل قوّة في السياسات الإسرائيليّة المتعاقبة. فقط قبل بضعة اسابيع صرّح وزير الماليّة الفاشيّ، بتسالئيل سموتريتش، أنّه يطمح إلى نقل ما أسماه بـ”ثورة الاستيطان” الّتي يقودها في الضّفة الغربيّة إلى منطقتي النّقب والجليل، مشيرًا إلى ضرورة استكمال “الانقلاب القضائيّ” الّذي تقوده الحكومة الحالية لتمكين قيادتها من إخراج برامجها السّياسيّة إلى حيّز التنفيذ.
وفي واقع الأمر، فان تصريحات سموتريتش هذه لم تأت كطفرة في سياق السياسات الإسرائيليّة العامّة أو سياسات التخطيط وتوزيع الأراضي على وجه الخصوص، إذ أن “عقليّة التّهويد”، من ناحية، ومنع أيّ محاولة للتوسع التخطيطيّ والجغرافيّ للبلدات العربيّة، من ناحية أخرى، هي جزء من الحمض النوويّ لأروقة الحكم في إسرائيل وللحكومات المتعاقبة. هذه السّياسات اصبحت أكثر تطرفًا وأشدّ خطورةً في ظل الحكومة اليمينيّة المتطرّفة الحاليّة والّتي تحوي على عناصر فاشيّة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في مركز اتخاذ القرار فيها. هذه العناصر الّتي لم تزل تسعى إلى مواصلة عمليات التّطهير العرقي في قطاع غزّة، بالإضافة الى عمليات مصادرة وسرقة مساحات واسعة من أراضي الضّفة الغربيّة تمهيدًا لضمّها، هي ذات العناصر الّتي تصرّح بصريح العبارة حول تعميق مشروع التهويد والاستيطان في الجليل والمثلث والنّقب والساحل.
قضيّة الأرض كانت ولم تزل في صلب نضالنا كما في صلب خطابنا الحقوقيّ ومطالبنا التّاريخيّة. فخطابنا الحقوقيّ الّذي ندعو إلى تعزيزه وترسيخه، بالتّحديد في ظرّوف أيامنا، لا يقف عند حدود مبدأ المساواة في مفهومه التّقليديّ، ولا يكتفي أيضًا بمبدأ العدالة التّوزيعيّة (وما يترتب عليه من مطلب حصول المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل على ما يُعادل نسبتهم السكانية من مجمل الموارد في الدّولة)، ولا هو خطاب يتمحور بمبدأ “سد الاحتياجات” للبلدات العربيّة في مجال الأرض والمسكن (وهو خطاب يقتصر عادةً على الأبعاد الاجتماعيّة-الاقتصاديّة). على الرّغم من أهمية ومحورية هذه المبادئ في خطابنا الحقوقي حول الأرض والمسكن، الا انها لا تستوفي الأبعاد التّاريخيّة والقوميّة والسياسيّة الأوسع في سياق أصحاب البلاد الأصليين.
إنّ أي خطاب سياسيّ-حقوقيّ حول قضايا الأرض والمسكن في السّياق الفلسطينيّ في الدّاخل يجب أن يجمع في آن واحد، بشكل جدليّ، الحقيقتين الكامنتين في واقعنا: كوننا أقليّة مضطهدة على أساس قومي وكوننا أهل البلاد الأصليين. الإقرار بالحقيقة التّاريخيّة بأصلانيتنا وأنّنا أصحاب الأرض، وأيضًا أنّنا نعاني من الاضطهاد القومي التاريخي في وطننا، هما حقيقتان متلازمتان في صُلب خطابنا الجماعيّ الأصلانيّ، ومن هذا يُشتق أيضًا خطابنا في موضوع الأرض. انّ كوننا أقليّة قوميّة مضطهدة، وفي ذات الوقت أهل هذه البلاد، يخلق علاقةً عضويّة بالوطن (وجدانيًا، وطنيًا، دينيًا وثقافيًا) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأي خطاب حقوقيّ حول قضايانا عامّة، وفي موضوع الأرض تحديدًا. وبالتّالي، فإنّ أصلانيّة المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل يجب ان تشكّل قاعدة مؤسسة في شقّ طريقنا الكفاحي والحقوقيّ.
وعليه، فان خطابنا الحقوقيّ يقترن بمبدأ أساسي يجب تعزيزه وهو مبدأ العدالة التّصحيحيّة، ذو البعد التّاريخيّ. على الخطاب الحقوقيّ الأشمل للأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل أن يتضمن إلى جانب حقنا بالمساواة القومية والمدنية، وإلى جانب حقنا بالعدالة التوزيعيّة، وحقنا بسد الاحتياجات الجمعيّة، ذلك المطلب الحقوقيّ بالاعتراف بحقوقنا التاريخيّة الجماعيّة من خلال المطالبة بالإقرار بالظلم التاريخي ضد الفلسطينيين، والعمل على إنهاء هذا الظلم ومعالجة نتائجه المستمرة حتى يومنا هذا. ويترتب على هذا المبدأ مواجهة سياسة سلب الأراضي الّتي انتهجتها الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة ضدّ المواطنين الفلسطينيين الّذين صمدوا في وطنهم بعد النكبة، بحيث سلبتهم سلطات الدولة على مرّ السنين أكثر من نصف أراضيهم التي بقيت بحوزتهم. وقد كتب محامي الأرض حنا نقارة انه في العقد الاول بعد النكبة سلبت الدولة حوالي مليون دونم من المواطنين العرب، “من أخصب واطيب أراضيهم”.
لا يمكن بلورة خطاب حقوقي شمولي في سياق قضايا الأرض للفلسطينيين في إسرائيل دون التشديد على الحقوق القومية التاريخية، وهي الجروح المفتوحة في جسدنا كمجتمع أصلانيّ. في صلب هذه القضايا استعادة الأراضي الّتي سلبت من أصحابها الفلسطينيين، في طول البلاد وعرضها، بما في ذلك الأراضي والممتلكات الخاصّة بأهلنا في المدن السّاحليّة وفي النقب. ولا بدّ من الإشارة هنا الى ثلاث قضايا عينية هي في صميم الخطاب الحقوقي المتعلق بحقوقنا التاريخية وتشكّل امثلة صارخة لهذه الحقوق المسلوبة:
أوًلًا، قضيّة المهجرين الفلسطينيين من مواطني الدّولة، ومن عرفوا باسم “الحاضرون الغائبون”. لم ولن يسقط بالتقادم حق المهجرين بالعودة إلى بلداتهم الأصليّة (مثل اللجون والغابسيّة ومعلول والبصة وميعار والدامون وإقرث)، وما زالت عودتهم تشكّل جزءًا مركزيًا من حقوقهم التاريخيّة.
ثانيًا، قضيّة ملكيّة الأراضي والأملاك الخاصّة بالأوقاف الدينية، وخاصة الوقف الإسلاميّ. لا بدّ من تحرير هذه الاوقاف واستعادتها، ونقل صلاحيات إدارتها إلى هيئات عربيّة منتخبة تمثّل المصلحة الوطنيّة والدينيّة الحقيقيّة لأصحابها، وتسدّ الطريق أمام مواصلة نهب هذه الاوقاف وسلب خيراتها.
ثالثًا، قضيّة أراضي المواطنين العرب في النقب وضمان ملكيتهم التاريخيّة لها (وقد كتب المحامي نقارة حول استيلاء الدولة على مليون ونصف مليون دونم من هذه الأراضي).
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، لا يمكن إلّا التأكيد على نهجنا السياسيّ النضالي وعلى خطابنا الحقوقيّ الشمولي في نضالنا من أجل تحصيل حقوقنا الجماعيّة والتاريخيّة. خطابنا هو خطاب أصلانيّ، تحرريّ، إنسانيّ ويستمد حضوره من القيم والأخلاقيات الإنسانيّة الكونيّة ومن عدالة حقوقنا القوميّة التاريخيّة.
في يوم الأرض، نجدد العهد بمواصلة الكفاح والنّضال من أجل حماية أراضينا وتحصيل حقوقنا. ولن يضيع حق وراءه مطالبون شجعان.


من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



