رانية عقل: الربيع مرّ… ونحن لم نكن هناك!

في البيوت هذه الأيام، لا يقاس الخوف بما يحدث، وإنما بما يمكن أن يحدث.
ارتطام مفاجئ في المطبخ، باب يغلق بقوة، لعبة تسقط من يد طفل… يكفي صوت واحد ليتحوّل الجسد كله إلى حالة إنذار.
المشكلة ليست في الصوت نفسه، وإنما في الإيقاع الذي نحمله داخليًا. إيقاع القصف يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيعيد تفسيرها. ما كان عاديًا يصبح مريبًا، وما كان طفوليًا يصبح قابلاً لأن يُفهم كخطر.. بين صوت وآخر، تتشكل حياة لا نعيشها بالكامل، وإنما نؤجلها.
بهذا المعنى، لا نعيش فقط تحت تهديد خارجي، وإنما داخل إعادة تشكيل مستمرة لإدراكنا.
الأذن لا تسمع كما كانت، والجسد لا ينتظر تفسير العقل. يسبق، يقرر، ويتأهب.
بهذا الشكل، يتغير البيت دون أن يتغير شكله. يبقى كما هو، جدرانًا مألوفة وتفاصيل نعرفها، لكن وظيفته تنزاح . لم يعد مساحة للعيش كما اعتدنا، وإنما مساحة لإدارة القلق. نقيم فيه جسديًا، لكننا نتحصن داخله نفسيًا، نراقب الأخبار أكثر مما نراقب الضوء، ونعد الاحتمالات بدل أن نعد خطواتنا.
هذا التحول لا يظهر دفعة واحدة، وإنما يتسرب عبر التفاصيل الصغيرة. خروج نؤجله، جلسة في الحديقة نتردد فيها، يوم يمر دون أن نعيشه بالكامل. هكذا، دون إعلان، تتشكل حياة مؤجلة.
في المقابل، يستمر الخارج في مساره. الربيع جاء كعادته، موسم الصفير والخشخاش، الأرض امتلأت بحياة دقيقة تحتاج حضورًا لنراها، دخل التوقيت الصيفي وتمدد الضوء وتبدل إيقاع النهار. كل ذلك حدث، لكننا لم نكن هناك.
وهنا لا يكون الفقد في المشهد، وإنما في العلاقة. الإنسان لا يحتاج إلى الأمان فقط، وإنما إلى اتصال مستمر بالعالم الحي من حوله، بالهواء والضوء وتبدل الفصول. حين ينقطع هذا الاتصال، لا يتوقف عن العيش، وإنما يعيش نسخة مؤجلة منه.
الأطفال يكشفون هذا الخلل بوضوح. أجسادهم التي اعتادت الحركة واللعب والاكتشاف تجد نفسها محصورة، فتبحث عن بدائل. تتقدم الشاشات، لا لأنها الخيار الأفضل، وإنما لأنها الحاضر المتاح. ومع الوقت، لا تقتصر سيطرتها على الأطفال، وإنما تمتد إلينا نحن أيضًا، ونحن ننتقل بين الأخبار ونكرر المتابعة بحثًا عن يقين لا يأتي.
في مواجهة هذا الواقع، تتباين ردود الأفعال. من يتجمد في مكانه، من يتجاهل ويمضي، ومن يختار الهروب. هذه المسارات المختلفة لا تعكس صوابًا أو خطأ، وإنما محاولات فردية لاستعادة قدر من السيطرة.
مع ذلك، يبقى البيت في مركز التجربة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو إن كان يمكن له أن يكون كافيًا. البيت، بطبيعته، يحتاج إلى الخارج، إلى امتداد حي يتنفس منه الإنسان. حين ينقطع هذا الامتداد، تضيق المساحة مهما اتسعت الجدران.
قد لا نملك القدرة على تغيير الواقع العام، لكن يمكننا إعادة ترتيب علاقتنا داخله. إدخال الحياة إلى تفاصيل صغيرة، ضوء نلاحقه داخل البيت، نافذة تفتح لغير التهوية، نبتة نعتني بها، وقت ننتزعه من الأخبار لنستعيد فيه حديثًا أو حضورًا.
هذه ليست حلولًا بقدر ما هي محاولات للحفاظ على توازن يتآكل.
الربيع مر هذا العام كما يمر كل عام، لكن الفرق أننا لم نكن غائبين عنه فقط، وإنما بدأنا نعتاد الغياب.
وهنا يكمن القلق الحقيقي، أن يتحول الغياب عن الحياة إلى حالة مألوفة، وأن يصبح تأجيلها الطريقة التي نعيش بها.
** الكاتبة رانية عقل فنانة تشكيلية وناشطة بيئية من مدينة كفر قرع
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



