رياض كبها (برطعة): الكاتب الراحل شاكر فريد حسن.. في ذكرى وفاته الرابعة

يمثّل الكاتب شاكر فريد حسن إغبارية (1960–2022) نموذجًا لافتًا في المشهد الثقافي الفلسطيني داخل الخط الأخضر، إذ انتمى إلى جيلٍ لم يتعامل مع الكتابة بوصفها نشاطًا منفصلًا عن الحياة، بل جعل منها امتدادًا يوميًا للتجربة الإنسانية والمعيشة الاجتماعية، فكانت كلماته مرآةً نابضةً لتفاصيل المكان والناس والذاكرة.

ويعدّ كاتبنا الراحل من رواد ادب المكان، وحذا حذو اقاربه الشاعر راشد حسين والشاعر احمد حسين وصديقي الاستاذ كمال حسين.

 

 

وُلد في قرية مصمص في منطقة وادي عارة، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأولى في بيئة محلية غنية بالحكايات الشفوية والتجارب الجمعية والتحولات الاجتماعية المتسارعة، الأمر الذي انعكس بوضوح في مشروعه الكتابي الذي اتسم بالاستمرارية والالتصاق باليومي
تعلم في المدرسة الابتدائية في القرية، ثم انتقل الى ثانوية كفر قرع حيث كنت مدرسا في المدرسة الإعدادية، المجاورة لها. وكان يركب معي احيانًا في سيارتي، من مدخل كفر قرع حتى المدرسة.
كان طالبا خجولا قليل الكلام امام معلم لا يعرفه، ولكن بعد التعارف أيقنت أني امام طالب مجتهد له مستقبل زاهر. وذات يوم، وفي الصباح عندما صعد الى سيارتي وبعد صباح الخير، سألني سؤالا تأكدت فيما بعد انه فكر فيه طويلا:
– “استاذ رياض.. انت معلم لغة عربية فهل تدرس طلابك بالعامية ام بالفصحى؟”.
لم اتوقع ان يسألني طالب في ريعان شبابه هذا السؤال، الذي لم يسألني اياه مدير المدرسة او المفتش. وتلعثمت بالإجابة، لأني علّمت بالعامية. وقلت له: “أمزج بكلتا اللهجتين”، فقاطعني واخرج ورقة قد أحضرها من قبل، وقرأ لي عن اهمية التدريس بالفصحى.

 

 

هذا هو اديبنا منذ بداياته وصغره.. تابعته يكتب في مجلة المدرسة ومجلات طلابية مختلفة، وبعد الثانوية وهو يكتب بصحيفة الاتحاد ومجلة صدى التربية ومجلة الاصلاح.
بعد سنوات من تخرجه من الثانوية التقينا، فأخبرني انه لأسباب اقتصادية لم يتعلم وعمل كساعي بريد وعامل بناء. ولكنه انتهز الفرصة، وقال لي: “الومك على اصدار كتابك حكاية الوادي بالعامية”، فضحكت وضحك معي، وقال: “تذكرت سؤالي لك: هل تعلم الطلاب بالعامية ام بالفصحى؟”.
وعندما اصدرت كتاب “صفتا الوادي سيرة حياتي” اتصل معي وهنأني. وقال: هذا كتاب لغته ومضمونه يحفزني على الكتابة عنه. ونشر قراءته عن كتابي في حوالي عشرة مواقع ادبية محلية، وفي العالم العربي.
نعم، مارس الكتابة الصحفية والثقافية على مدى سنوات طويلة، ونشر آلاف المقالات في صحف ومواقع عربية – محلية وعالمية -مسهمًا بذلك في بناء أرشيف نصّي واسع يُوثّق الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في الداخل الفلسطيني.

وقد تميزت كتاباته بالوضوح والاقتصاد اللغوي دون أن تفقد بعدها الإنساني أو حسّها الأدبي، حيث نجح في تحقيق توازن دقيق بين اللغة المباشرة والنَفَس التأملي، فجاءت نصوصه قريبة من القارئ وقادرة في الوقت ذاته على حمل أبعاد توثيقية عميقة.

وامتاز بما يعرف بأدب المكان، خاصة في مقالاته التي تناولت شخصيات ثقافية محلية، إذ كان حريصًا على تثبيت الأسماء والسير والأحداث في سياق مكتوب، وكأنه يدرك مبكرًا خطورة ضياع الذاكرة في ظل غياب أرشيف مؤسسي يحفظ تاريخ المجتمع المحلي. وها انا اناشد سلطاتنا المحلية لإنشاء ارشيف في كل قرية ومدينة يوثق الذاكرة الشفوية والمكتوبة. وهذا ما تمناه كاتبنا الشاب المرحوم، حيث تمنى ان تتحول القرية والشارع والشخصيات اليومية إلى موضوعات مركزية تستحق أن تُروى.
إن تجربة الكاتب الراحل شاكر فريد حسن إغبارية تقدّم مثالًا حيًا على قدرة الفرد، عبر المثابرة والالتزام، على بناء أرشيف موازٍ بالكلمة، أرشيف يحفظ التفاصيل الصغيرة ويمنحها فرصة البقاء في وجه الوضع الذي نعيشه.. رحمه الله واسكنه فسيح جنانه.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى