محمد المدلج كبها: سيكولوجية النجاة.. كيف يحول الالتزام الميداني الخطة إلى أمان ؟

في أدبيات إدارة سيناريوهات الطوارئ المتعددة، تبرز حقيقة استراتيجية راسخة ومفادها أن الكفاءة التشغيلية لأكثر الخطط الاستراتيجية تطوراً تظل رهينةً بمحددات السلوك البشري ومستويات الانضباط المحاكية لها في الميدان، إذ تُشكل الفجوة الهيكلية القائمة بين البروتوكول المعياري وواقع الامتثال الميداني، المتغير الأكثر حرجاً وتأثيراً في صياغة مؤشرات السلامة العامة، وتحديد حجم الخسائر البشرية المحتملة إبان الأزمات .
من خلال خبرتي الميدانية التي تجاوزت عشر سنوات في إدارة الطوارئ البلدية، ودراستي الأكاديمية في جامعة حيفا، توصلت إلى قناعة مهنية بأن سيكولوجية الالتزام ليست مجرد سلوك عابر، بل هي خط الدفاع الأول لضمان الأمان واستمراريته .
إن الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية يتعدى كونه مجرد تنفيذ للأوامر، فهو فعل استراتيجي واع يهدف بشكل مباشر إلى تقليل احتمالية التعرض للمخاطر، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود (Resilience) من خلال تحويل وعي الأفراد إلى قوة جماعية منظمة ومتكاملة .
** المعطيات الرسمية والتحقيقات الميدانية تؤكد هذه الرؤية
تُظهر التحليلات الفنية والبيانات الميدانية الصادرة عن قيادة الجبهة الداخلية خلال الأزمة الراهنة حقيقة رقمية لا يمكن تجاهلها، بحيث إن الغالبية العظمى من الإصابات والوفيات وقعت بين المواطنين الذين تواجدوا خارج المناطق المحمية لحظة الحدث، أو الذين لم يلتزموا بالبقاء داخل الملاجئ للمدة الزمنية الكافية (10 دقائق). وفي المقابل، نجد أن الفئات التي التزمت التزاماً كاملاً بالتعليمات سجلت إصابات قليلة جدا في معظم الحالات، حتى عند تعرض المباني لدمار كلي . وهذا يثبت واقعياً أن الوعي السلوكي هو المكمل الضروري والوحيد لفاعلية التكنولوجيا وأنظمة التحصين.
وانطلاقاً من دورنا كخبراء ومخططين في إدارة حالات الطوارئ المختلفة، ندرك وجود فجوات حقيقية في ثقافة التصرف الصح أوقات الطوارئ لدى بعض شرائح المجتمع .
وهذا يدفعنا إلى ضرورة الانتقال من مجرد إصدار تعليمات جامدة إلى مرحلة بناء وعي مجتمعي شامل، وتطوير قنوات تواصل مهنية قادرة على كسب ثقة المواطن وتحويل الأمن والسلامة من مجرد إجراءات إلى قيمة اجتماعية يتبناها الجميع .
ختاماً.. إن منظومة الأمن القومي والمدني لا تكتمل بوجود التكنولوجيا والتحصينات فحسب، بل تبدأ وتنتهي عند وعي الفرد، فالجاهزية الحقيقية ليست مجرد معدات وملاجئ، بل هي ثقافة التزام راسخة
نصيحة إرشادية لكل مواطن ولكل مسؤول عن سلامة الجمهور، لا تنظروا إلى تعليمات الطوارئ كقيود تحد من حركتكم، بل كأدوات نجاة صُممت خصيصاً لحمايتكم . إن استثمارنا اليوم في رفع مستوى الوعي المجتمعي هو الاستثمار الأضمن لتقليل الخسائر الغد، ففي وقت الأزمات، الوعي هو الذي يصنع الفرق بين خطرٍ عابر ونجاةٍ محققة.
** الكاتب محمد المدلج كبها: خبير أزمات وطوارئ | باحث دكتوراة بجامعة حيفا. متخصص في التخطيط الاستراتيجي والحصانة المجتمعية.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com


