الكاتبة والباحثة وفاء داري: حين يتّسع الفضاء وتضيق القراءة في راهن النّدوات الأدبيّة

حين يتّسع الفضاء وتتعدّد المنابر، لا يبدو الحضور بالضرورة أكثر كثافة، بل لعلّه في كثير من الأحيان أقل مما يُفترض.
فهل تراجع الاهتمام بالشأن الثقافي؟ أم أن الأولويات تغيّرت؟ أم أن اتساع المنصّات لم يُقابله بالضرورة عمق في الطرح، فغابت الجاذبية التي يصنعها السؤال الحقيقي؟
ومع ذلك لا يمكن إغفال ما شكّلته هذه المنابر عبر سنوات طويلة من مساحة حيوية للحوار، ودورها في تقديم تجارب لافتة تركت أثرها رغم كل ما قد يطرأ عليها من تحولات.
فهل ما نشهده اليوم هو أزمة حضور… أم أزمة محتوى؟
وأين تقف المعايير التي تعتمدها هذه المنابر في اختيار الأعمال؟ هل هي معايير واضحة ومعلنة، أم أنها تظلّ في منطقة رمادية تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية مع القيمة الأدبية؟
ثم، هل بقي النقد مساحة للفحص والتأمل، أم تحوّل في بعض الأحيان إلى مجاملة عابرة لا تترك أثرًا؟
أسئلة لا تدّعي الحسم بقدر ما تحاول الاقتراب من واقع المنابر الثقافية اليوم كما يتبدّى في التجربة، انطلاقًا من الإيمان بأهميتها والحرص على أن تظل قادرة على أداء دورها بوصفها مساحة عادلة وعميقة.

حين تتكاثر المنابر وتتّسع دوائر الحضور، لا يعود السّؤال عن عدد المشاركين أو امتداد الجغرافيا، بقدر ما يصبح الرّهان الحقيقيّ على جودة ما يُقال، وعلى المعايير التي تضبط هذا الاتساع وتحفظ للقراءة معناها، بوصفها فعلًا تحليليّا أو نقديّا واعيا لا مجرّد تفاعل عابر.
في المشهد الثّقافيّ عمومًا والفلسطينيّ على وجه الخصوص، لم تكن النّدوات الأدبيّة مجرّد لقاءات عابرة، بل شكّلت على امتداد عقود إحدى الرّكائز الحيّة التي أسهمت في صوغ الوعي الأدبيّ وتعميق الحوار حول النّصّ. وكانت منابر مثل (ندوة اليوم السّابع) مثالا لافتا على هذا الدور بما تحمله من تاريخ يتجاوز الثلاثة عقود، وبما أتاحته من فضاء تفاعليّ جمع بين الكتّاب والنقّاد والقرّاء في سياق ثقافي ظلّ حيويّا رغم التّحولات.

ومع الانتقال في السّنوات الأخيرة إلى الفضاء الرقميّ اتّسعت دائرة المشاركة على نحو غير مسبوق، لتتجاوز الجغرافيا المحليّة نحو أفق عربيّ ودوليّ، وهو تحوّل لا يمكن إنكار أثره في إثراء التفاعل وتبادل التجارب. غير أنّ هذا الاتّساع على أهمّيّته حمل معه في الوقت ذاته جملة من التّحدّيات التي تستدعي التوقّف عندها بروح من التأمّل المسؤول، لا من باب الاعتراض بل من باب الحرص على استدامة الأثر وصيانة المصداقيّة التي راكمتها هذه المنابر عبر الزمن. ولعلّ من أبرز هذه التّحدّيات ما يتّصل بوضوح المعايير في اختيار الأعمال وترتيبها ضمن البرامج، إذ يُلحظ أحيانًا نوع من التفاوت في أولويّات الطّرح، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول آليات التّنظيم ومدى اتّساقها، خاصّة لدى الكتّاب الذين ينظرون إلى هذه المنصات بوصفها فضاءً ينبغي أن تحكمه قواعد شفافة تضمن جودة الطّرح وتكافؤ الفرص وتكريس الثّقة.
وإذا انتقلنا إلى صلب التجربة النقديّة ذاتها، فإنّ الحاجة تبدو ماسّة إلى استعادة أدوات القراءة التحليليّة بوصفها مدخلا أساسيّا لفهم النّصّ، لا الاكتفاء بالانطباعات العابرة. فالاقتراب من العمل الأدبيّ كما تشير تقاليد النقد الحديثة يبدأ من عتباته الأولى: العنوان، والغلاف، والإهداء، ولا يُختزل في تلخيص العمل، ولا ينتهي عند تتبّع بنيته السرديّة ومستواه اللغويّ، وتشكّل شخصيّاته ومسار حبكته، بل يمتدّ إلى ثيمات العمل ومساءلة صوته السرديّ والمسار ونهاياته المفتوحة أو المغلقة وغيرها حول العمل الذي يناقش.
وليس المقصود هنا أن يتحوّل كلّ قارئ إلى ناقد بالمعنى الأكاديميّ بقدر ما هو دعوة إلى حدّ أدنى من الوعي المنهجيّ الذي يحول دون انزلاق القراءة إلى طابع انطباعيّ محض، قد تداخله المجاملة أو تتسلّل إليه معايير غير معلنة.
ولا ينفصل عن ذلك سؤال النقد البنّاء بوصفه أداة للارتقاء بالنصّ لا وسيلة للتقليل منه، فالنّقد في جوهره فعلُ بناء، أو كما يُقال مجازًا: هو الإمساك بالمعول على نحو يُعين على التشييد لا على الهدم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ مقاربة نقديّة أو تحليليّة تتّسم بالاتّساق فلا تُقبل في نصوص ما تُرفض في أخرى، ولا تتباين المعايير تبعًا للأسماء أو العلاقات، بل تستند إلى رؤية واضحة تحترم النصّ أولًا ثمّ كاتبه ثمّ القارئ الذي يتابع هذا الحراك الثقافيّ بوصفه جزءًا من وعيه العامّ.
الإشكالية الكبرى اما أن نقوم بسفك دم النص وصاحبة على مذبح القراءة التحليلة ونركز على الفاصلة والنقطة والأخطاء النحوية ونترك ما هو أعمق، أو نبجّل العمل ونحمله ما لا يستحق بعيدًا عن الموضوعية.
إنّ إثارة هذه الملاحظات تنطلق من إحساس عميق بالانتماء إلى هذا الفضاء، ومن إيمان راسخ بأنّ الحفاظ على إرثه لا يتحقّق إلا عبر مراجعة دائمة تواكب التحوّلات دون أن تُفرّط في الأسس التي قام عليها، وبما يضمن بقاءه فاعلًا ومؤثرًا في تشكيل الذائقة الأدبيّة.

يبقى الأمل أن تستعيد هذه النّدوات زخمها النوعيّ وأن تظلّ مساحة عادلة وعميقة ومُلهمة لكلّ من يكتب، باعتبارها مختبرا حيّا للقراءة الجادّة والحوار المسؤول، وفضاءً يُنصت للنصّ بقدر ما يُنصت لصاحبه ما يضمن الارتقاء بالمشهد الأدبي وتعزيز حضوره.

** القدس

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى