فضيلة الشيخ مشهور فواز: فقه رصين وفقيه حصيف في التّعامل مع السّلوك التّعبديّ الشّائع

قال الامام سيدي محمد عُلَيْش المالكيّ في كتابه المشهور “فتح العليّ المالك” (1/140): “وكان شيخُنا سيّدي ابن سراج يقول: “إذا جرى الناسُ على شَيْءٍ وله مُستَنَدٌ صحيحٌ وكان للإنسانِ مُختارٌ غيرُهُ ، فلا ينبغي لهُ أن يحملَ الناسَ على مُختارِهِ ، فيُدخِل عليهم شغَبًا في أنفسِهم وحيرةً في دينهم؛ فمن شرط تغييرِ المُنكر أن يكونَ مُتَّفَقًا على أنه مُنكَرٌ”.
هذا هو الفقه المتين الرّصين الذي ينبغي أن يحرص عليه كلّ داعية بل وكلّ مسلم؛ وهو: التركيز على المتفق عليه وعدم إثارة فتن وشغب بسبب مسائل اجتهادية ؛ ذلك أنّ من القواعد الفقهية المقررة لدى أهل العلم: “لا إنكار في محل الاختلاف”؛ بشرط أن تكون المسألة ممّا تحتمل الاجتهاد وليست من القطعيات والمسلّمات.
فإذا كان مسجد على سبيل المثال في بلدة ما معتادًا على أداء السنة القبلية يوم الجمعة؛ فينبغي لمن يعتقد عدم سنيتها مراعاة عرف المسجد وعدم إثارة الفتنة والبلبلة؛ لأنّ المسألة اجتهادية فلا يجوز له أن يحمل النّاس على ما يتبناه خاصة أنّه سينشب عن ذلك نزاع وخلاف.
ولكن الخطورة أين تكمن؟ الخطورة تكمن بمجاراة الواقع والسّكوت عن مخالفات وممارسات لا مستند لها معتبر في الفقه الإسلامي؛ خاصة في مسائل قد اتفق عليها سلفنا طبقة عن طبقة وجيلا عن جيل وليست مسألة وليدة العصر .
– يقول السّائل: مهر زوجتي مائة ليرة ذهب مؤجل وأنا لا أملك المبلغ حاليا وأخشى أن أموت والمهر دينٌ في ذمتي؛ أرجو نصحكم؟
* الجواب: المهر المؤجل المطلق الأجل – أي غير محدد الأجل كما هو الشّائع في بلادنا – تستحقه الزوجة عند حلول أقرب الأجلين؛ أي عند الطلاق أو وفاة أحد الزّوجين.
وبناء على ذلك: الزوج غير ملزم بالدفع قبل الطّلاق أو وفاة الزوجة ؛ وفي حال وفاة الزوج فإنه يموت وهو مدين؛ ولقد اعتبر علماء الشّافعية أنّ أول دين يُسأل عنه الرّجل يقوم القيامة مهر زوجته إلاّ إذا أبرأته أي سامحته الزوجة.
وهي أي الزوجة لا تستطيع المطالبة بمهرها المؤجل غير محدد الأجل قبل الطلاق أو وفاة الزوج؛ وفي حال وفاة الزوجة فإنّ الزوج ملزم بالدفع لورثة الزوجة.
ونصيحتنا: طالما أنّ المهر مفتوح الأجل أي غير محدّد بوقت والزوج غير ملزم بالدفع على الفور؛ فإنّنا ننصح أن يشتري الزّوج لها في كل شهر أو شهرين أو ثلاثة مثلا بحسب قدرته ليرة ذهبية أو ليرتين ويسلّمها إياها كجزء من المهر، مع توضيح ذلك لها وكتابته؛ ويضع خطة أن يسدّد المهر مثلا خلال سنوات معينة؛ وهكذا يطمئن أنّه في حال وفاته يموت وذمته بريئة أو على الأقل وهو ينوي السّداد ويجتهد بالأداء. وفي الوقت نفسه، تستفيد الزوجة من مهرها أثناء حياتها؛ فماذا تستفيد منه بعد وفاتها؛ وفي حال وفاته كما هو معلوم أنّه في الغالب يموت وهو مدين ولا يترك تركة تستوفي منها مهرها، أو تكون الزوجة قد تقدم بها السّن وعزفت نفسها عن المهر والمال أو فقدت أهليتها؛ وهكذا ضاعت مهور النساء وأصبحت كالوهم والسّراب.
– ما هي صلاة الغفلة وهل هي نفسها صلاة الأوابين؟
* صلاة الغفلة هي عبارة عن ست ركعات ما بين المغرب والعشاء؛ وأقلها ركعتان وأقصاها عشرون ركعة؛ والتنفل بين المغرب والعشاء مستحب عند جمهور الفقهاء؛ وقد سموا تلك الصلاة بصلاة الغفلة لأنّ هذا الوقت هو وقت غفلة الناس عن الصلاة واشتغالهم بما سواها.
ويسمّى أيضًا النفل الذي بعد المغرب بصلاة الأوّابين؛ لأنّ فاعله يرجع ويتوب مما فعله في نهاره، فإذا تكرر ذلك منه دلّ على أنّه أوّاب أي كثير التوبة.
ونصّ فقهاء الشافعية على أنّ صلاة الأوّابين تطلق أيضًا على صلاة الضحى.
هذا، وقد ورد بفضل التّنفل بين المغرب والعشاء أحاديث ضعيفة، ولكن لا بأس بالعمل بها عند جمهور الفقهاء لأنّها منتهضة بمجموعها – كما قال الإمام الشّوكانيّ. فممّا ورد في فضلها: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» – رواه الترمذي وابن ماجه.
وروي أيضا: «مَنْ صَلَّى بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةً، بني له بيت فِي الْجَنَّةِ» رواه ابن ماجه.
قال الشوكاني: “والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفًا فهي منتهضة بمجموعها، لا سيما في فضائل الأعمال”.
** أنسيت يوم كنت تطوف وتسعى حول بيت أهلها على مدار السّاعة؟!
– سؤال متكرر من النّساء المتزوجات مفاده أنّ زوجها يمنعها من زيارة والديها بدعوى أنّ طاعة الزّوج مقدَّمة على طاعة الوالدين. وممّا يؤسف له أنّه في حالات عديدة يكون أحد الوالدين مريضًا وهو بحاجة لإبنته لتقف بجانبه، ومع ذلك يمنعها الزّوج من الذّهاب لزيارة والديها والقيام بواجبهما.
ولمثل هذه النّوعية من الأزواج نقول: ألم تقرأ قول الله تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ”. والمعروف كما قال ابن عاشور في تفسيره: “ما تعرفه العقول السّالمة المجردة من الانحياز إلى الأهواء أو العادات أو التعاليم الضالة”.
ولا شك أن منع الزوج لزوجته عن والديها هو من اتباع الهوى، ويتنافى مع المعروف المذكور في الآية الكريمة .ولذا يحرم أن يمنع الزوج زوجته من زيارة والديها وتعاهدهما وبرّهما والقيام بواجبهما بحسب المعروف وبما لا يضر بمصلحة حياتهما الزّوجية.
ولديّ سؤال لهذه النّوعية المتعسّفة من الأزواج: أترضى لزوج ابنتك مستقبلا أن يسلك نفس السلوك معك؟ لماذا وأنت خاطب كنت تطوف حول بيت أهلها على مدار السّاعة واليوم والأسبوع وتوهم والديها بأنّك أحنّ عليهما من أبنائهم ولمّا تزوجت قَلَبْت لَهُم ظَهْرَ الـمِجَنِّ؟!
ألا تخشى أنّك بهذا التّصرف تكون سببًا في قطيعة الأرحام وبذلك ينطبق عليك قول الله تعالى: “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ”. فأيّ شرع وأيّ منطق وأيّ ضمير يرضى لك أن تقطع ابنة عاشت مدللة ما يزيد على عشرين عامًا في بيت والديها، وقد أفنوا أعمارهم لأجلها.. سهروا وتعبوا وأنفقوا وجدّوا وكدّوا، ثمّ تأتي حضرتك وتمنع البنت عن والديها؟!
إنّ هذا لا يرضي الله تعالى، ولا رسوله الكريم – صلوات ربي وسلامه عليه. والله تعالى أعلم.
** فضيلة الشيخ مشهور فواز هو رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني (48)
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

