روزان جبارين: ما بين تجربة الفقدان ومحنة الحرمان!

قبل عدّة سنوات، رحل عنا والدي الغالي إلى الأبد، ومنذ ذلك الحين، وأنا أحمل في داخلي حسرةً لا تخبو. فقد شاءت الأقدار أن أعيش سنوات طويلة في الغربة مع أبنائي، فغدت رحلة الوصول اليومي إليه شاقّة، وأضحى لقاؤه اليومي أمنية تُنتزع من بين زحام الأيام. كنت أقاوم فكرة الفقد، وأستبعدها بعنادٍ خفي، رغم تقدّم عمره ورغم وهن الجسد؛ كأن القلب كان يرفض الإقرار بما تعرفه الحقيقة. لكنّ رحيله كان بمثابة صدمة أيقظتني بشراسة، وكسرت ذلك الوهم بالقول: أن وجود أحبّتنا ليس أمرًا مضمونًا، وأن اللحظات التي تمرّ بيننا وبينهم هي كنوز عابرة، إن لم نغتنمها كما يجب فقد تضيع إلى الأبد.

ومن المفارقة ، فقد رُدّت إليّ ذات اليقظة المؤلمة حين اندلعت الحرب الأخيرة، وأُغلق المسجد الأقصى في أهم شهور العام دون سابق إنذار. شعرت طوال تلك الفترة بثقل الندم يطبق على صدري؛ كم مرّة أجّلت زيارته، وكم مرة أقنعت نفسي بأن الفرصة لا تزال قائمة! تارة بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية، وأخرى لانشغالات الحياة التي لا تنتهي—تلك الانشغالات التي تسرق أعمارنا في صمت، بينما نخدع أنفسنا بأن ما نؤجّله اليوم سنعود إليه غدًا. دون ان ندرك بإن “الغد” ليس وعدًا، بل احتمال.

40 يومًا من الإغلاق لم يكن مجرد رقم، بل كان كافيًا ليزلزل أعماقنا، ويعيد تشكيل وعينا الجمعي. فقد تكشّفت لنا خلال هذه الفترة حقيقة انتمائنا- شئنا أم أبينا،؛ كبارًا وصغارًا، متديّنين أو أقل تدينًا أو اكثرنا علمانية . فقد استشعرنا “بصمت موجع” هوية تنبض فينا بمعنى جديد—أشد رسوخًا، وأعمق أثرًا—هوية لم ندرك ثقلها إلا حين مُنِعنا من ملامستها. ففي نهاية المطاف، تبقى هذه البقعة الشريفة جزءًا لا يتجزأ من ذواتنا، وجذرًا ممتدًا في تاريخنا ووجداننا.

أمّا اليوم فقد تسنّى لي ولأبنائي أخيرا أن نزور المسجد الأقصى ونصلّي في رحابه، لحظاتٍ غمرتها السعادة الأبدية وبدت كأنها استعادة لشيءٍ سُلب منا- إلى أن التقييدات التي فُرضت خلال مسيرة اخوتنا من الطّوائف المسيحيّة في سبت النور، وما رافقها من توترٍ وتعكيرٍ لصفو البهجة أعادت طرح الأسئلة من جديد!!
لرُبّما ، عَلَت هذه المرة اجابات أكثر وضوحًا وحدّة! فقد بدت الصورة أمامنا وكأنّها مكتملة لا لبس فيها، حيث رسّخت في نفوسنا مجددا شعور “الانتماء”، والذي غدا فعليًّا أعمق، وأصدق، وأكثر حضورًا من أي وقت مضى.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى