إبراهيم عبدالله صرصور: الطريق الى نهضة الأمة العربية

** الكاتب هو الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني – 1948

لا يقلقني كثيرا ما تخطط له اسرائيل التي ولدت عام 1948، فقد كشفت التوراة والانجيل والقرآن طبيعة القوم منذ وُجدوا…….. كما لا يقلقني ما تخطط له أمريكا والغرب عموما، فما “سايكس – بيكو/1916م” و “وعد بلفور/1917م” و “مؤتمر كامبل بنرمان/1905” و “مؤتمر القاهرة/1921″،  عنا ببعيد…   ما يقلقني فعلا هو غياب الامة التي تستهدفها إسرائيل ومعها أمريكا والغرب…….. غياب وحدتها، وبالتالي غياب موقفها الثابت والقوي وقرارها المستقل وارادتها الحرة وكرامتها المُصانة…….

(1)

اوضاع العرب والمسلمين اليوم هي النقيض الكامل لما يجب ان تكون عليه الامة كما رسم خريطَتَها القرآنُ الكريم الذي جعل للامة شأنا بعد أن كانت لا شيء، وانتشلها من الحضيض وجعلها سيدة العالم وقائدة البشرية بعد ان كانت ريشة في مهب الرياح العواصف، وحجز لها مكانا متقدما تحت شمس العالمين بعدما كانت نسيا منسيا لا تحس منها من احد أو تسمع لها رِكزا………

اوضاعنا العربية تحديدا هي الانعكاس الاسوأ لأخطر مؤامرة حيكت ضدها في تاريخها……. أعنى مؤامرة “سايكس – بيكو” التي يعترف جميع العرب حاكمين ومحكومين بأنها الأخطر على الاطلاق، الا انهم في المقابل الاكثر تمسكا بها ودفاعا عنها بعد ان تحولت من مؤامرة قَسَّمَتْ الامة وبعثرتها جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا وفكريا خدمة لمشروع غربي – صهيوني، تحولت الى “عقيدة” يتم الدفاع عنها كما لو كانت ثابتا مقدسا وحتمية تاريخية راسخة…

الكل يعترف ان “عقيدة سايكس – بيكو” عقيدة فاسدة أفرزت واقعا فاسدا، تماما كعبادة الاصنام عند العرب في الجاهلية التي ادخلها عليهم زعيمهم عمرو بن لحي الخزاعي الذي كان أول من أدخل عبادة الأصنام إلى مكة والجزيرة العربية. قام بنقل الأصنام من الشام (منطقة البلقاء) إلى مكة، وكان أبرزها صنم “هوبلوس/هبل” الذي وضعه داخل الكعبة، مغيراً بذلك دين إبراهيم عليه السلام الحنيفي، ليصبح سيداً في خزاعة ومن كبار سادات العرب…..

(2)

يروي لنا التاريخ ان عمرو ابن لحي مرض مرضا شديدا أعجز أطباء الجزيرة، فنصحه بعض الكهان ان يسافر الى الشام ذات الهواء والماء والأجواء المختلفة لعله يجد شفاءه فيها… قدم الشام فرأى اقواما وثنيين يعبدون اصناما… عجب من “خفة عقولهم” وسخف معتقداتهم….. الا انه وبسبب فضوله سألهم عما يفعلون من عمل منكر لم يقبله عقله العربي الأصيل حتى تلك اللحظة!…….. لما جاء جوابهم: نستنصرها فتنصرنا، نستمطرها فتمطرنا، ونستشفيها فتشفينا!….. توقف عند “نستشفيها فتشفينا“، فكان السقوط الذي ادخل على العرب عبادة ما كانوا ليقبلوا بها وهم العرب أصحاب العقول الراجحة…

سألهم ان يدلُّوه على صنم ان دعاه ان يشفيه شفاه!………. فدَلّوُه على صنم مقطوع اليد سَمَّوْهُ “هوبيلوس”!…. جاء به الى مكة المكرمة، فبدل ان يضعه في بيته لأنه ما جاء به الا لغرض خدمته شخصيا، عرف انه ان وضعه في بيته وسمعت به العرب اتهموه بالجنون، فثاروا عليه وخلعوه من زعامة مكة!…. بعد تفكير وجد انه ومن اجل ان يمنع ثورة قومه عليه لا بد من إجراءات صارمة تحميه من نتائج فعلته الشنيعه:

أولا – اطلق على الصنم اسم “هبل” بدل “هوبيلوس” والبسه لباس الشرعية، فادعى انه ما جاء بهذا الصنم الا خدمة ل – “المصلحة الوطنية العليا” وحماية ل – “الأمن القومي”، وحفاظا على أرزاق مكة وأقواتها “زيادة الدخل القومي”!….

ثانيا – خصص له مكانا مميزا في صحن الكعبة واحاطة بكل رسوم القداسة والهيبة، ووضع عليه حراسة لحمايته من المعتدين …..

ثالثا – قام بمساعدة كبار مستشاريه ب – “حملة إعلامية” تستهدف وعي اهل مكة جمع خلالها بين سياسة الترغيب والترهيب……..

فعلت هذه الاجراءات فعلها … مرت السنوات والعقود والقرون، وإذا بالصنم “هبل” يصبح كبير اصنام تجاوز عددها عند بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، الثلاثمائة صنم… أصبح الصنم الذي جاء به “الزعيم” عقيدة امة………. لما جاءهم الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم ليعيدهم الى ما كانوا عليه من التوحيد وصفاء العقيدة والى حنيفية إبراهيم عليه السلام، تصدوا له بكل أنواع الاضطهاد والعذاب والحصار والمطاردة، وشنوا عليه الحروب الاستئصالية دفاعا عن “الاصنام” بعد ان تحولت الى عقيدة يدافعون عنها بحد السيف وهي الباطل المحض!…… حاربوه دفاعا عن باطلهم بعدما تحول الى عقيدةٍ فيهم وإن كانت في اصلها سفاهة وتفاهة……..

(3)

انظروا حالنا اليوم، امة انتقلت بفعل أصنام “سايكس بيكو” من امة عاشت سيدةً للعالم على مدى 14 قرنا، الى اشتاتِ امةٍ (دول الطوائف) لا تلمس رابطا يربطهم او عاطفة توحدهم ولا همّاً يجمعهم………..

هؤلاء “الاشتات” الذين يعبدون اصنام “سايكس – بيكو” منذ نحو مائة عام، ويدافعون عنها (حدود واعلام وسيادة وجيوش وحكومات……. الخ) بحد السيف، يصرخون باعلى صوتهم: السيادة الوطنية… الأمن القومي، فقط حينما يكون الصراع بينيا بينهم، لكن كل ذلك يبطل “سحره” عندما يكون الصراع مع عدوهم الازلي!…… يصبحون عندها جثة هامدة وكيانا باهتا هشّاً، كلٌّ يبحث عن نجاته وإن على جثث اخوانه في العروبة والاسلام…………

أليست غزة وما تواجهه من حرب ابادة منذ اكثر من سنتين ونصف، بينما لم ينجح شتات “سايكس – بيكو” من ادخال قارورة حليب ل -2.4 مليون فلسطيني، ناهيك عن ان يمنعوا عنهم قتلا وتشريدا وتجويعا وتنكيلا وعذابا اليما تصبه اسرائيل على رؤوسهم صبا، لو صُبَّ مثله على الايام صِرْنَ لياليا…

اليس قصف بيروت في هذه الايام وهي العاصمة العربية، وتشريد مئات آلاف اللبنانيين من الجنوب وتدمير الجسور وتجريف القرى والمدن امام بصر وسمع الدول العربية التي بينها وبين لبنان/الدولة العربية والعضو في جامعة الدول العربية “ميثاق دفاع مشترك”، كمثل آخر!…………..

لن اتحدث عن إيران، فمن لم يدافع عن اهله في قطاع غزة واخوته في لبنان، فهل يتصور ان ينهض للدفاع عن إيران التي لها مع العرب فصولا دامية وصفحات سوداء قاتمة…………. دعونا منها حاليا………

(4)

الأعجب من ذلك كله، حينما يأتي أحدهم – فردا او جماعة – ليطالب حكام العرب الى التحرر من قيود اتفاقية/مؤامرة “سايكس – بيكو”، والى التمرد عليها والثورة ضدها واسقاط مخرجاتها ومفرداتها، والعودة الى حقبة كانت الامة فيها سيدة الدنيا، اتهموه بالخيانة والعمالة والتآمر ضد الامن القومي للدويلة طبعا، لا للامة، والتخطيط لقلب نظام الحكم…… الخ، من التهم المعلبة، مع ان الذي يطالبهم به هو الذي فيه عزتهم وقوتهم ووحدتهم وسيادتهم وكرامتهم………….

ما كانت المشكلة يوما مع اعداء الامة مهما بلغت وحشيتهم وطغيانهم، فما أهونهم على الله ثم على امة امتلكت زمام أمرها…….. المشكلة كانت دائما في الامة نفسها……… عندما تفقد اسباب قوتها، يَثِبُ عليها اعداؤها…… اما عندما تستعيد وعيها، وتسلك طريق عزتها الوحيد (ان تعود واحدةً مُوَحِّدَةَ وَمُوَحَّدَةً) كما كانت، يكون لها الظفر فلا يكون لعدوٍّ عليها سبيلا………..

الحقيقة الثابتة انه لن يكون للاثنتين وعشرين او ثلاث وعشرين دولة عربية صنعتها “سايكس – بيكو”، شأنٌ او ثِقَلٌ في ميزان السياسة او الحضارة او المدنية، ما لم يدوسوا “سايكس – بيكو” بأقدامهم، ليكونوا بعدها: “الولايات العربية المتحدة وعاصمتها القدس الشريف”….

قد يقول قائل: “الولايات العربية المتحدة” وعاصمتها القدس قد يكون حُلُمٌ بعيد المنال!… لماذا لا نبدأ على الأقل بتفعيل مؤسسات الامة: جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وما تشتمله مواثيقها من التزامات وحدوية من أهمها: اتفاقية الدفاع المشترك مثلا، والتي تعني تنادي الأمة قولا وفعلا دفاعا عن أي بقعة من بقاع الامة تتعرض لعدوان؟!!!!!

اعذروني إن أنا خيبت املكم…… انا مقتنع تماما ان فاقد الشيء لا يعطيه، وما بُني على باطل فهو باطل…………. كم كنت أتمنى لو ان زعماء العرب والمسلمين ارتقوا الى مستوى تطلعات شعوبهم، وتصالحوا مع كل القوى الحية فيها، واعتمدوا الديموقراطية الحقيقية وتداول السلطة السلمي، وحققوا “معا” يدا بيد وجنبا الى جنب، وعلى قلب رجل واحد كل ما تتوق اليه الامة من وحدة وكرامة وقوة، فيصبحون كما ارادهم الله ورسوله، كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى……….

لن يتحقق ذلك – في رأيي – الا إذا ثار حكام العرب على “سايكس – بيكو”، وارتقوا الى مستوى تطلعات الشعوب، وتحرروا من هيمنة الغرب والشرق، فأصبحوا كأوروبا على الأقل في وحدتهم………. عندها وعندها فقط سيكون لهذه الامة شأن………..

هل أحلم؟!! ربما، ولكن هذه الحتمية قادمة.. شاء من شاء وأبى من أبى، والله غالب على أمره!..

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى