البروفيسور إبراهيم طه: الكبسولة التاسعة والسبعون (79).. حصّة الحمار!

** مهداة إلى أمّة تقلعها من لحيتها لتضعها في لحية الحمار!
تجمعني بأبو خالد صداقة قديمة ونسب. جاء وقعد. “كيف حالك يا أبو خالد؟”.. “والله الواحد صار يلجّ يا أبو إياس!” ردّ وقطب. كان أبو خالد غضبان من أمّةٍ تفرّط بفطرتها الإنسانيّة وحقّها الفطريّ في الكرامة، أو كما قال.. أخذَنا الحكيُ شمالًا يمينًا. قلنا شيئًا عن الفرس الكافر. لَجّةٌ منه ولَجّة منّي حتّى وصلنا إلى مالك بن نبي وقوله البليغ: “ليس الاستعمار من عبقريّة المستعمِر، بل من قابليّة المستعمَر للاستعمار”. وهكذا وجدنا أنفسنا وجهًا لوجهٍ أمام مقولته الأيقونيّة: “أخرِجوا المستعمِر من رؤوسكم يخرجْ من أرضكم!”
كان الغضب أكبر من طاقتنا على الحمل. فكان لا بدّ من تشبيه بليغ يُعيننا على السبّ والتنفيس. ولم أجد أبلغ من تشبيه الأمّة بالحمير للتعبير عن حالة الذلّ والهوان التي جلبتها على نفسها. وهو تشبيه جاهز يصلح لكلّ منقصة. لكنْ حين تذكّرت حمار عمّي أبو عمر رحمه الله، روحك طلبت الرحمة يا عمّي أبو عمر، تراجعتُ وندمت على النيّة من أصلها. قفز الحمار إلى مقدّمة الذاكرة قفزة عريضة عرضُها ستّون عامًا أو أقلّ. أذكره مثل اليوم. حمار عاديّ، بسيط، لونه رماديّ أغبر، تراكم غبارُ الطريق على قدميه وأرهقه الشغل. كنّا نستعيره ليعيننا في موسم الزيتون الذي يستمرّ شهرًا كاملًا بين التشرينين. نحمّل عليه شوالات الزيتون لمسافة كيلومترات من بير الشيح ولسان صبّاح حتّى شِكّانة حيث نقيم. يمشي الحمار بحذر يقصّ الأثر في المسارب الملتوية الضيّقة التي علّمتها أقدام الفلّاحين والدوابّ بين الصخور والحجارة والبلّان والقندول. الحمل ثقيل والطريق طويلة وصعبة والدنيا نار والحمار لا يتظلّم. أنهرُه من خلفه وأجرُّه من رسنه، وبين الحين والحين كنت أقف على بلاطة وأقفز على ظهره وأركب فوق شوالات الزيتون.. كلّ موسم، على نفس الموّال والمنوال، ما شُفنا من الحمار إلا كلَّ خير!
وتقديرًا له على هذه المعونة كنّا نحفظ له حقّه بحصّة في الزيت. نسمّيها “حصّة الحمار”. وحصّته تنكة زيت من رأس الكوم. قالوا “طبّاخ السمّ بذوقه” قلنا مفهومٌ ومقبول. وقالوا الحمار يذوق السمّ في الشغل فعلًا ولا يذوق نقطة زيت واحدة، وهذا صحيحٌ أيضًا. ورغم ذلك سجّلنا الحصّة باسمه هو. قد يحرث الحمار ويدرس لبطرس. نعم، لكنّه لا يحرث ولا يدرس خوفًا من بطرس وإنّما التزامًا بالفطرة التي خصّه بها الله تعالى. وفطرته هي هويّته الجينيّة، هي ال DNA الخاصّ به. وجزء من فطرة الحمار أكلُ العشب والشغل، بالضبط مثلما أنّ مطاردة الغزلان وافتراس العجول جزء من فطرة الأسد. لا هذا يستحقّ أن يُمجَّد على مطارداته وافتراسه الدمويّ ولا ذاك يستحقّ أن يُعيَّر بأكله وشغله وثباته على فطرته!
وبعد، إذا كان لا بدّ من التعيير فإنّ الأمّة التي فرّطت بفطرتها الإنسانيّة أَولى من الحمير التي ثبتت على فطرتها والتزمت بها بقوّة! يقول المثل اليمنيّ: “مَن خرج من جلده جيّف” أي صار جيفة!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



