أمير مخول: طبول الحرب ليست بالضرورة مؤشراً لوقوعها

** مركز تقدّم للسياسات

تناولت محطات التلفزة ووسائل الاعلام الإسرائيلية بقلق احتمالية إلغاء مئات الآلاف من تذاكر الطيران المحجوزة مسبقا وقد تفوق المليون في حال تواصل التواجد المكثف لأسطول الطائرات الحربية الامريكية للتزود بالوقود، في مطار بن غوريون وبأعداد كبيرة تفوق الأربعين وفقا للقناة 12.
قد يبدو الخبر في الوهلة الأولى عاديا وعابراً، بينما فعليا يحمل مؤشرات الى أن المجتمع الإسرائيلي بات يضيق ذرعاً بجولات الحرب التي لا يرى بها حربا هادفة او انها تحمل اهدافاً قابلة للتحقيق، كما ويرى بها حربا تخضع للإدارة ألامريكية والقرار بصددها يعود لواشنطن. وهذا بحد ذاته وبخلاف جولات الحرب السابقة يرفع منسوب القلق في الشارع الإسرائيلي الذي لم يكد يبدأ استعادة توازناته وبعض الانتعاش ليعود الى دائرة الاستنزاف، فيما يتضاعف هذا الشعور بالاستنزاف بسبب التشريعات الأخيرة التي تمنح للشباب الحريدي الذي لا يخدم في الجيش امتيازات مادية ومالية من الدولة تضاهي امتيازات الجنود الذين تقرر إطالة فترة خدمتهم الإلزامية بشهرين.
في المقابل تشهد الساحة السياسية خطابا حربيا عالي النبرة يهدد بالحرب ويطلق التهديدات لإيران، ويخشى المراقبون من ان يستغل نتنياهو الوضع الأمني بعد توتيره لصالح مخطط إرجاء الانتخابات التشريعية ان لم يكن إلغاءها. فيما يتسع نطاق الادراك بأن الترويج لاجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية (الكابنيت) يبدو للاستهلاك السياسي الداخلي والانتخابي، وحصريا لان اجتماعات الحرب تتم في إطار الطاقم الأمني المصغر أي رئيس الوزراء وقادة الأركان ووزير الامن ورئيس مجلس الامن القومي او المنظومات الأمنية، كما ويتم أي قرار بالتنسيق مع واشنطن.
تبدو الحالة الحالية من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران هي المفضلة في الحكومة الإسرائيلية. اذ لا دلالة على بصمات لتدخل إسرائيلي مباشر فيها، ما يتيح لإيران مواصلة استبعاد إسرائيل من الاستهداف بل تحصر ضرباتها في القواعد العسكرية الامريكية في دول المنطقة. كما ويسود التقدير بان إيران لا تملك القدرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكريا بل تستطيع استنزافها عسكريا وسياسيا وماديا وفي مجال الطاقة. فيما استراتيجيا تدفع المزيد من الدول الخليجية الى مراجعة الدور الأمريكي في المنطقة وضمن مساع لتحويلها الى عبء على الدول التي تقيم فيها قواعدها العسكرية ومن خلال تكبدها اقصى ما أمكن من الخسائر.
من اللافت في المقابل التباين في المواقف بين اقطاب إدارة ترامب والذي يصل حد التناقض أحيانا، وحصريا ما بين نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وفي خلفية ذلك تنافسهما المبكر على رئاسة الولايات المتحدة في العام 2028. اذ يدفع دي فانس ومعه المفاوضان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير الى الامتناع عن الحرب المتدحرجة مع إيران وعدم خرق الاتفاق الاطاري والتفاوض ضمنه واحترام إرادة دول المنطقة المعنية بمنع وقوع الحرب وارتداداتها أمريكياً، وذلك من منطلقات “أمريكا أولا” ويبدو لحد الان ان لهم الغلبة لدى ترامب؛ في المقابل فإن روبيو ومعه وزير الحرب هجيست يدفعان للتصعيد مع ايران وتغيير شروط الاتفاق التفاوضي. وهما كما قائد المنطقة الوسطى في الجيش (سنتكوم) مقربون من الموقف الإسرائيلي ويستخدم نتنياهو مواقفهم سعيا للتأثير في واشنطن. في المقابل يتفق اقطاب الإدارة الامريكية على استبعاد الأثر الإسرائيلي في القرار الأمريكي واولويات واشنطن.
كما لا يزال التوتر بين ترامب ونتنياهو كبيرا وقد يتسع، أحد المؤشرات لذلك هو نفي الإدارة الامريكية احتمالية لقاء الاثنين خلال زيارة نتنياهو الى الولايات المتحدة، وقد يدفع الامر الى الغائها. وفقا للتقديرات الإسرائيلية فإن الخلاف الجوهري في الملفين اللبناني والإيراني بالإضافة الى سياسات إسرائيل التصعيدية في غزة والضفة الغربية والتي تتعارض مع الأولويات الامريكية في هذه المرحلة. يدرك نتنياهو انه لا يتحكم في قرار الانضمام الى المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران حتى وإن كانت حكومته تلمح الى ان الضربات الامريكية تسير في جزء منها وفقا لنك أهداف حدّدته إسرائيل. سبب اخر لعدم انضمام إسرائيل للحرب حاليا، هو الخشية من تكرار الجولات السابقة التي تباينت فيها الأهداف الحربية، والخوف من ان تقوم إدارة ترامب بعد عدة أيام في حال دخلت إسرائيل الحرب بإعلان وقفها وبشكل تنقلب حسابات نتنياهو السياسية عليه بقدر ما يبدو منصاعا للموقف الأمريكي. كما هناك تقدير إسرائيلي بأن الضربات التي تسددها الولايات المتحدة لإيران قد تسدد ضربة أيضا لمبدأ وحدة الساحات بين لبنان وايران.
فيما امريكياً، وإذ تراهن اطراف في إدارة ترامب على تدخل دول المنطقة المباشر في الحرب وفي إخراج مضيق هرمز من النفوذ الإيراني، وحصريا السعودية وباكستان، فإن أي تدخل إسرائيلي مباشر سيضعف هذا المخطط الأمريكي رغم ضعف احتمالاته أصلا وفقا للتقديرات الإسرائيلية.
تسود تقديرات إضافية بأن اغلاق الحوثيين لباب المندب امام السفن السعودية والإسرائيلية، وقد يتسع نطاق الاغلاق، انما يدفع نحو تصعيد عسكري مع المملكة العربية السعودية، وقد يدفع الى تدخلات باكستانية ومصرية، فيما يبدو ان الحوثيين يمهدون لتبوؤ المشهد الى جانب ايران او حتى كجبهة بحد ذاتها وذلك من باب كونهم يملكون قدرات عسكرية وعمقا استراتيجيا لا يتمتع بهما أي طرف من اطراف “وحدة الساحات”، ولكونهم فعليا يملكون قدرات دولة وجغرافية دولة.  فيما يشكل استحقاق السيادة اللبنانية بداية فك الارتباط الفعلي مع استراتيجية وحدة الساحات.
وفقا لتقديرات معهد دراسات الامن القومي الإسرائيلي والقناة 12 الإخبارية، فإن دخول الحوثيين على خط المواجهة والتهديد بإغلاق باب المندب قد يدفع الولايات المتحدة الى التدخل المباشر في اليمن فقط في حال تورط ترامب في حرب طويلة الأمد مع ايران.  في حال نجحت الولايات المتحدة في فرض حصار على مضيق هرمز محتفظةً بممرات خارج السيطرة الإيرانية، واستمر حصار الحوثيين لباب المندب، فإن مجرد هذه الاحتمالية تسرّع من استراتيجيات أوروبية في الاعتماد على مصادر طاقة بديلة للنفط مثل الطاقة الشمسية وبالأساس تسرّع المضي في اعتماد ممرات بحرية وبرية بديلة، وحصريا ما يشهده “مشروع البحار الأربع” من تعاون سعودي تركي وقطري وسوري وعراقي، فيما تسعى إسرائيل الى تفعيل خط تجاري بري بحري من الامارات الى ميناء حيفا ومنه الى أوروبا وهو يختلف عن مشروع EMEC الأضخم من الهند الى أوروبا.
في الخلاصة: لا يمكن التخفيف من خطورة الوضع والمواجهات الامريكية الإيرانية، لكن لغاية الان تبدو الضربات في إطار الضبط الاستراتيجي بحيث لا تنزلق الى حرب شاملة، ولا تقطع الطريق على المفاوضات واتفاقية اسلام اباد الإطارية. ويشير الى ذلك التصريحات الامريكية وحصريا الصادرة عن ترامب ونائبه، وفي المقابل زيارة وزير الداخلية الإيراني الى العاصمة الباكستانية يوم 20 تموزيوليو. بموازاة ذلك فإن إصرار الدول الخليجية على عدم التورط في حرب مباشرة مع ايران من شأنه ان يسرّع عدول واشنطن عنها والعودة الى الدبلوماسية والمفاوضات بدلا من حرب غير محسوبة ولا تبدو قدرات لحسمها عسكريا.

مع انتقال المواجهات بالجوهر على مضيق هرمز وممرات الطاقة، فإن استبعاد التدخل الإسرائيلي من قبل واشنطن يبدو مدروسا لإبقاء الأمور تحت السيطرة والضبط. كما أن التدخل الإسرائيلي قد يعيد المواجهة على مختلف الجبهات أي اللبنانية واليمنية، ما يعني ان سيكون على نقيض مع التزامات ترامب امام الرئيس اللبناني جوزيف عون بانسحاب إسرائيل حتى ولو كان ضمن آلية الانسحابات التجريبية على أن تتواصل.
المجتمع الإسرائيلي قلق من تجدد الحرب، ويبدو في حالة استنزاف وعدم ثقة بحكومته ان تقوده الى برّ الأمان، وحصريا بعد التشريعات الأخيرة بصدد الخدمة العسكرية واعفاء الحريديم فعليا ومنحهم امتيازات تضاهي الجنود الذي سيتم تمديد خدمتهم بشهرين. في المقابل فإن التصريحات الصادرة عن حكومة نتنياهو هي خطيرة بحد ذاتها، لكن جزءا منها هو لاحتياجات نتنياهو الانتخابية ومواجهة للراي العام الإسرائيلي.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى