المحامي عمر خمايسي: قراءة قانونية في الحكم الصادر بحق الشيخ كمال خطيب

1- الحكم لا يُقرأ من منطوقه فقط

من المهم ألّا نتوقف عند منطوق الحكم الصادر في قضية الشيخ كمال خطيب وحده، بل أن نقرأ القرار في تفاصيله وأبعاده وسياقه القانوني الكامل. فبالنسبة إلينا، كطاقم دفاع رافق الملف منذ لحظة اعتقال الشيخ في 14 أيار 2021 وحتى صدور الحكم في 20 تموز 2026، لم يكن القرار مجرد خاتمة لإجراءات قضائية امتدت خمس سنوات، وإنما محطة تفرض إعادة قراءة القضية من داخلها؛ لفهم طبيعة الملف، والمسار الذي سلكته النيابة والمحكمة في التعامل معه، وما أثاره من أسئلة قانونية ودستورية واجرائية تتجاوز مقدار العقوبة إلى حدود التجريم، وضمانات حرية التعبير، ومبدأ المساواة في تطبيق القانون.

 

2- الفجوة بين طلب النيابة والحكم الصادر

ولعل أول ما يفرض نفسه عند قراءة هذا الحكم هو الفجوة الكبيرة بين ما طلبته النيابة العامة وبين ما انتهت إليه المحكمة. فقد أصرت النيابة، في مرافعاتها المتعلقة بالعقوبة، على المطالبة بالسجن الفعلي لمدة تتراوح بين ثلاثين وخمسين شهرًا، باعتبار أن الوقائع المنسوبة إلى الشيخ كمال خطيب تستوجب عقوبة سالبة للحرية بهذه المدة، بينما انتهت المحكمة إلى فرض عقوبة العمل لمصلحة الجمهور لمدة تسعة أشهر، إلى جانب غرامة مالية.

ولا يمكن النظر إلى هذه الفجوة باعتبارها مجرد اختلاف في تقدير العقوبة، فهذا أمر قد يقع في كثير من القضايا الجنائية، وإنما تكتسب أهميتها من طبيعة هذا الملف ومساره. فعندما تمتد المحاكمة خمس سنوات، وتشهد عشرات الجلسات والمرافعات، ثم تنتهي إلى نتيجة تختلف بهذا القدر عن التصور العقابي الذي تبنته النيابة، فإن ذلك يقتضي إعادة النظر في كيفية بناء الملف، وفي مدى متانة الأسس القانونية التي استندت إليها النيابة العامة منذ تقديم لائحة الاتهام وحتى المرافعة الأخيرة، مع العلم ان اتخاذ قرار تقديم لائحة الاتهام بحق الشيخ كمال الخطيب كان بموافقة المستشار القضائي للحكومة والنائب العام.

ولا يعني ذلك أن المحكمة تبنت كامل موقف الدفاع في جوهره، نعم قضت ببراءة الشيخ كمال الخطيب من تهمة التماهي مع منظمة إرهابية الا انها أدانته بتهمتي “التحريض على العنف” و”التحريض على الإرهاب”، على خلفية منشورين تم نشرهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخطبة ألقاها خلال أحداث “هبّة الكرامة” في أيار2021. وهذه النتيجة لا تنسجم مع الموقف القانوني الذي تمسك به الدفاع طوال مراحل المحاكمة، وما زلنا نرى أن الإدانة شابتها أخطاء قانونية تستوجب الطعن فيها أمام محكمة الاستئناف لأننا على قناعة ان القضية من أساسها تندرج ضمن الملاحقة السياسية تكميم الافواه وبالذات للقيادات في مجتمعنا.

وفي المقابل، لم تأخذ المحكمة أيضًا بالتصور الذي قدمته النيابة العامة، سواء فيما يتعلق بتقديرها لخطورة الأفعال المنسوبة إلى الشيخ كمال أو بالعقوبة التي طالبت بفرضها. وبذلك جاء الحكم في منطقة قانونية وسطى؛ فلم ينتصر بالكامل لنظرية الاتهام، كما لم يأخذ بنظرية الدفاع كاملة. ومن هنا، فإن القيمة القانونية للحكم لا تكمن في العقوبة وحدها، وإنما في الأساس الذي بُني عليه، وفي الكيفية التي عالجت بها المحكمة الأدلة والوقائع، وفسرت النصوص القانونية، وتعاملت مع المسائل الموضوعية والإجرائية التي أثيرت أثناء المحاكمة، ولا سيّما أن بعض ما شهده هذا الملف من إجراءات استُحدث لأول مرة في قضية الشيخ كمال خطيب، وهو ما سيبقى محل مراجعة قانونية وقضائية أمام محكمة الاستئناف.

3- مسار قضائي امتد خمس سنوات

ولم تكن هذه النتيجة وليدة جلسة النطق بالحكم، وإنما حصيلة مسار قضائي طويل امتد خمس سنوات، شهد عشرات الجلسات، واستُمع خلاله إلى عدد كبير من الشهود والخبراء من جانبي النيابة العامة والدفاع، من بينهم أكاديميون بارزون يُحاضرون في الجامعات الإسرائيلية، اثنان منهم من المجتمع اليهودي، إلى جانب قيادات سياسية ودينية واجتماعية. وقد تناولت هذه الشهادات، كلٌّ من زاوية اختصاصه، شخصية الشيخ كمال خطيب، وطبيعة خطابه، وسياق التصريحات المنسوبة إليه، وانتهت جميعها، رغم تباين منطلقات أصحابها وخلفياتهم، إلى أن التصريحات محل لائحة الاتهام تندرج ضمن خطاب سياسي وديني يتمتع، في الأصل، بالحماية القانونية، وأنها لا تستوفي الأركان القانونية اللازمة لاعتبارها تحريضًا جنائيًا، سواء وفق قانون العقوبات أو قانون مكافحة الإرهاب.

وتنبع أهمية هذا الإجماع من أنه لم يصدر عن مدرسة فكرية أو موقف سياسي واحد، بل عن شخصيات أكاديمية وسياسية ودينية واجتماعية متعددة، الأمر الذي أتاح للمحكمة الاطلاع على قراءات مهنية متباينة للوقائع محل الاتهام، في مقابل القراءة الجزائية التي تبنتها النيابة العامة.

4- مرتكزات الدفاع القانونية

خلال هذا المسار، انصرفت مرافعات الدفاع إلى معالجة عدد من القضايا القانونية والدستورية التي رأينا أنها تمثل جوهر هذا الملف، وفي مقدمتها ضرورة قراءة التصريحات في سياقها التاريخي والسياسي والديني، وعدم اقتطاع أجزاء من الخطاب بمعزل عن سياقها العام، لأن تجزئة الخطاب قد تؤدي إلى نتائج قانونية مغايرة لما قصده المتحدث فعلًا. كما تمسكنا بأن حرية التعبير، ولا سيّما في القضايا ذات الطابع السياسي أو الديني أو التاريخي، تقتضي من القضاء اعتماد معايير دقيقة وحذرة قبل الانتقال من دائرة التعبير المشروع إلى دائرة التجريم الجنائي.

ولم تقتصر مرافعاتنا على مضمون الخطاب، وإنما تناولت أيضًا طريقة تطبيق القانون. فقد أثرنا، منذ المراحل الأولى للمحاكمة، مسألة التمييز في سياسات تقديم لوائح الاتهام في قضايا التعبير، وأشرنا إلى وجود تفاوت واضح بين تعامل سلطات إنفاذ القانون مع الخطاب الصادر عن القيادات العربية، وبين تعاملها مع خطابات وتحريضات صادرة عن شخصيات وجهات يهودية، وهي مسألة رأينا أنها تمس مباشرة مبدأ المساواة أمام القانون، أحد المبادئ الدستورية الأساسية في أي نظام قضائي يدّعي الحياد.

ولا ندّعي أن المحكمة استجابت بشكل تام للمرتكزات القانونية التي قام عليها الدفاع بالقدر الذي كنا نراه صحيحًا، بل نعتقد أنها تجنبت، في أكثر من موضع، الخوض في بعض الأسئلة الدستورية والمبدئية التي أثارها الملف، وفضلت حسم القضية في إطارها الجنائي الضيق. ومع ذلك، فإن هذه المرتكزات شكلت جزءًا أصيلًا من البنية القانونية للمحاكمة، وستبقى محورًا رئيسًا في المراجعة القضائية أمام محكمة الاستئناف، لأنها تتجاوز قضية الشيخ كمال خطيب كشخص، لتطرح سؤالًا أوسع يتعلق بحدود حرية التعبير، وبكيفية تطبيق القانون على المواطنين على قدم المساواة.

5- الإدانة والعقوبة أمام قاضيتين مختلفتين

ولا يكتمل فهم هذا الحكم من دون الالتفات إلى خصوصية إجرائية كان لها أثرها في قراءة الملف وتقدير العقوبة، وهي أن القاضية التي أصدرت قرار الإدانة لم تكن هي القاضية التي تولت إصدار الحكم بالعقوبة. وهذه مسألة تستحق التوقف عندها، ليس من باب التشكيك في سلامة الإجراءات فقط، وإنما لفهم طبيعة الدور الذي تؤديه كل قاضية في هذه المرحلة من المحاكمة.

فقاضية الإدانة هي التي رافقت الملف على امتداد سنوات، واستمعت بنفسها إلى الشهود، وعاينت أداءهم، وتابعت المرافعات، واطلعت على تفاصيل الوقائع والسياقات التي أحاطت بالقضية واستمعت لإفادة الشيخ كمال الخطيب التي استمرت لجلسات. أما القاضية التي اصدرت العقوبة، فقد باشرت مهمتها بعد حسم مسألة الإدانة، مستندةً إلى ملف القضية وإلى ما ورد في حكم الإدانة، من دون أن تكون قد عايشت مجريات المحاكمة الطويلة أو استمعت مباشرةً إلى جميع الشهادات التي شكّلت البنية الواقعية والقانونية للملف.

ومن الناحية العملية، ينعكس هذا الاختلاف على طبيعة النظر إلى القضية. فقاضية الإدانة، بحكم مرافقتها للمحاكمة منذ بدايتها، تكون قد كوّنت صورة أكثر اكتمالًا عن الوقائع والسياقات، في حين تنظر قاضية العقوبة إلى الملف من زاوية مختلفة، تتمحور أساسًا حول تقدير الجزاء المناسب في ضوء ما انتهى إليه حكم الإدانة.

ولا يعني ذلك أن حكم العقوبة كان معزولًا عن وقائع الملف، لكنه يفسر، إلى حد بعيد، لماذا بقيت كثير من الإشكاليات الدستورية والقانونية التي أثيرت أثناء المحاكمة خارج دائرة النقاش في هذه المرحلة. فمرحلة العقوبة بطبيعتها لا تعيد بحث مسألة الإدانة، وإنما تنطلق منها باعتبارها أمرًا محسومًا.

وربما كان من اللافت أن قاضية العقوبة، رغم انطلاقها من فرضية الإدانة بوصفها قائمة ونافذة، لم تجد مبررًا لتبني التصور العقابي الذي دفعت إليه النيابة العامة، وانتهت إلى عقوبة تختلف بصورة جوهرية عما طلبته. وهذه النتيجة، وإن كانت لا تمس حكم الإدانة ذاته، فإنها تشكل مؤشرًا قانونيًا مهمًا عند تقييم مدى التناسب بين الأفعال المنسوبة إلى الشيخ كمال وبين العقوبة التي أصرت النيابة على المطالبة بها طوال سنوات المحاكمة.

ومن العوامل التي أسهمت كذلك في مرحلة تقدير العقوبة اعتماد الدفاع على شهود السيرة والسلوك (شهود السمعة)، لإبراز شخصية الشيخ كمال خطيب ودوره الاجتماعي والإنساني والأسري الممتد على مدار عقود. ولم يقتصر أثر هذه الشهادات على تقديم صورة عن شخصيته، بل منحتها المحكمة وزنًا عند تقدير العقوبة، وهو ما انعكس صراحةً في حيثيات الحكم، حيث أشارت إلى عدد منها واستندت إليها في بيان شخصية الشيخ كمال وسيرته. وقد تمحورت هذه الشهادات حول المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها، والدور الذي اضطلع به على مدى سنوات طويلة في الإصلاح بين العائلات، واحتواء النزاعات، وتعزيز السلم الأهلي، إلى جانب حضوره الإنساني والأسري في محيطه الاجتماعي.

6- لماذا لا تنتهي القضية عند الحكم؟

إن هذه القضية، في تقديرنا، لم تكن مجرد محاكمة لشخص أو لمنشورات بعينها، بل مثلت اختبارًا عمليًا آخر لحدود حرية التعبير في القضايا السياسية أمام القضاء الإسرائيلي، وللكيفية التي تُطبق بها النصوص الجنائية في هذا المجال. ومن هنا، فإن الحكم الصادر، على أهميته، لا يمثل نهاية المسار القضائي، بل محطة من محطاته؛ إذ ستبقى الأسئلة القانونية التي أثارها الملف مطروحة أمام محكمة الاستئناف، التي ستكون مطالبة بإعادة فحص الأسس القانونية التي بُنيت عليها الإدانة، ومدى انسجامها مع المبادئ الدستورية الناظمة لحرية التعبير، ومعايير القانون الجنائي. أما بالنسبة إلينا كطاقم دفاع، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تُقاس بالعقوبة وحدها، على أهميتها في هذه القضية بعينها، وإنما بما سيتركه من أثر في الاجتهاد القضائي والنقاش القانوني والدستوري حول حدود التجريم، وضمانات المحاكمة العادلة، والمساواة في تطبيق القانون.

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى