البروفيسور إبراهيم طه: الكبسولة الثالثة والتسعون (93).. الله يحرمه بأعماله!

** كلمتي التي ألقيتها في مراسم تأبين السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، في مبنى الكابيتول في واشنطن أمس:
الأخوات والإخوة،
كنّا قاعدين على البيدر قبل ثلاثين عامًا أو يزيد. جاء أبو خالد، رحمه الله، ولا ييجي اليومُ (واليومُ فاعلٌ وليس ظرفًا). قعد وأنصت. وأبو خالد رجل طيّب، لغته على قدر علمه. وهو نفسه كان يتندّر على لغته ويضحك ملء فيه. حتّى المفردات التي يعرفها، على قلّتها، كان يقلبها بين الحين والحين وهو يُحدّث!
حين قعد أبو خالد وتأهّل، كان موضوع الحديث عن رجل لا تجوز عليه غيرُ الرحمة بأعماله!
كانت الأجواء خفيفة لطيفة مرحة.. لكنّ أبو خالد لم يعجبه هذا الحكي عن ميّت، فقال: “على كلّ حال، يا جماعة، الله يِحْرَمُه بأعماله”! هكذا لفظها بالضبط… ران على الوجوه صمتٌ مطبقٌ عميق. كلّ الأفواه فُتحت ونُصبت وشهقت، والعيون كلّها جحظت وشخصت وتساءلت كيف اهتدى هذا الرجل إلى هذا التعبير الدقيق، وهو الذي لا يتجاوز مجموع الكلمات في قاموسه التداوليّ عدد أصابع يديه الاثنتين؟!
ظلّت هذه النهفة مستورة في زاوية من زوايا ذاكرتي حتّى قفزت دفعة واحدة إلى مقدّمة الوعي، وأنا أقرأ بعض المقالات والمنشورات عن موت السيناتور ليندسي..
وهذا التيس في انحيازه المطلق غير المشروط لنتنياهو ينطبق عليه المثل العراقيّ المعروف: “الطاسة أحمى من الشوربة”!
كان في نبر المقالات التي قرأتها عنه شيءٌ من تأتأة وتردّد وارتباك واعتذار ضمنيّ. من جهة أولى، لا تجوز على الميّت إلّا الرحمة. ومن جهة ثانية، كيف يترحّمون على واحد مثل هذا لا يستحقّ حتّى الدعاء بالرحمة؟!
الجواب محسوم فقهًا وشرعًا وأخلاقًا ومنطقًا: على واحد مثل ليندسي يجوز كلّ شيء إلّا الرحمة!
الفلّاحون بذكائهم وفطنتهم اهتدوا إلى تخريج ذكيّ، وقالوا فيمن لا يستحقّ الترحّم: “الله يرحمه بأعماله!”.. وهو قول بريء في ظاهره يعني: “الله يرحمه على قدر أعماله”. فإن عمل خيرًا رحمه الله وجازاه خيرًا وإن عمل سيّئًا عاقبه على قدر سيّئاته.
لكنّ التخريج الفلّاحيّ التداوليّ أذكى من هذا التفسير النظريّ.. حين يقول الفلّاحون “الله يرحمه بأعماله”، فهم يقصدون شيئًا واحدًا: “الميّت لا يحرز العزا”، ولا يستحقّ الرحمة بأعماله السيّئة!
وظلّت المسألة تتأرجح بين مجاز اللغة وحقيقة الكلام حتّى جاء أبو خالد وحسمها لصالح الحقيقة!
كلّ ما عمله أبو خالد هو أنه غيّر محلّ حرف الحاء فقط! ما أبلغك يا أبو خالد! روحك طلبت الرحمة بأعمالك السويّة الطيّبة! أين أنت يا رجل حتّى تترحّم على هذه الحكومة السافلة بأسلوبك الحصريّ؟!
تعيش وتترحّم يا أبو خالد!!..
** الكبسولة الثانية والتسعون (92) .. رفع الأذان بمكبّرات الصوت!
يخلط بعضهم خلطًا مضلّلًا، بجهلٍ أو بعندٍ وعنادٍ وكِبرٍ، بين رفع الأذان نفسه والإصرار على رفعه بمكبّرات الصوت. وهما أمران مختلفان بالضرورة. الكبسولة ليست عن ضرورة رفع الأذان، وإنّما عن مكبّرات الصوت الصاخبة.
القاعدة الفقهيّة والأخلاقيّة المنطقيّة المعتمدة تقول: كلّ عمل ينبغي أن يُقاس بمقياسين، وهما: الضرورة ودفع الضرر. وعن هذه القاعدة راجعت عشرات المراجع والمدوّنات على امتداد أشهر طويلة. وهي مُتاحة للجميع، لا تحتاج إلى مزيد من “الفتاوَى” الجاهلة.
وكلّها تُجمع على أنّ رفع الأذان بمكبّرات الصوت وقراءة القرآن الكريم وخطب الجمعة وصلاة التراويح.. كلّها ظواهر صوتيّة مشروطة ومقيّدة..
وجوبُها بقدر ضرورتها. وإن كان ضررها أكبر من نفعها، على المستويين المادّيّ الإجرائيّ والمعنويّ، فهي باطلة شرعًا!
حتّى من أتاح الأذان بمكبّرات الصوت، اشترط الالتزام بنصّ الحديث الشريف: “لا ضرر ولا ضرار”.
أمّا بخصوص الضرورة، فلا حاجة للتذكير بأنّ كلّ طفل مقمّط بالسرير وشيخ طعنت فيه السنُّ، في عصرنا هذا، يعلّق تقويم “النصر” على حيطان بيته، أو يحمل ساعة أو هاتفًا ذكيًّا يذكّره بقداسة الأذان ووقت الصلاة بدقّة متناهية.
أمّا بخصوص الضرر، فحدّث بغير حرج ولا تأتأة. وهي مسألة يُحدّدها الذوق العامّ بعيدًا عن المناكفات الأيديولوجيّة والعقديّة!
وقد طُرحت هذه القضيّة على أعلى المستويات في بعض الدول العربيّة الإسلاميّة، أوّلها مصر. لكنّ صوت رقابة الشارع كان أعلى من صوت الرقيب الرسميّ المعتمد، وأعلى من صوت الحقّ في كثيرٍ من الأحايين.
يكفي أن أقدّم نموذجًا تمثيليًّا ما قاله الشيخ محمّد متولّي الشعراويّ في هذه المسألة، لمن يعترف بمرجعيّته ومعرفته وعلمه وحكمه.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



