رانية عقل: ما الذي تغفله رقابة المياه؟

أعادت إصابة طفل في التاسعة بأميبا نادرة بعد أن سبح في بحيرة طبريا الخوف إلى علاقتنا بالماء. ووفق التحقيق الأولي، كان الطفل قد سبح في شاطئ كورسي قبل نحو أسبوع من دخوله المستشفى مصابا بالتهاب حاد في الدماغ.

الخبر صادم، ومن السهل أن يتحول إلى موجة من الهلع. لكن الخوف وحده لا يساعدنا على فهم ما يحدث. فالإصابة نادرة جدا، والملايين يسبحون في المياه العذبة من دون أن يصابوا بها. ومع ذلك، لا يجوز أن يمر الحدث كخبر صحي منفصل عن التحولات التي تمر بها مصادر مياهنا.

الأميبا المسماة علميا «نيجليريا فوليري» كائن مجهري حر المعيشة، يوجد طبيعيا في المياه العذبة والتربة والرواسب الطينية. وهي لا تنتقل عن طريق شرب الماء ولا من شخص إلى آخر. تحدث الإصابة عندما يدخل ماء يحتويها عبر الأنف، فتتمكن في حالات شديدة الندرة من الوصول عبر العصب الشمي إلى الدماغ والتسبب بالتهاب سريع وخطير.

لذلك يرتبط الخطر أساسا بالغوص والقفز والأنشطة التي تدفع الماء إلى داخل الأنف، لا بمجرد ملامسة الماء أو ابتلاعه. تضع هذه المعلومة الخطر في حجمه الحقيقي، لكنها لا تلغي السؤال الذي تفتحه الإصابة حول ما يجري في الماء نفسه.

هذه الأميبا محبة للحرارة. تزدهر في المياه العذبة الدافئة، وتصبح الظروف أكثر ملاءمة لها مع ارتفاع حرارة المياه وانخفاض مستوياتها وتكون مناطق ضحلة أو بطيئة الحركة. لذلك لا يمكن قراءة ظهورها بعيدا عن صيف يطول وموجات حر تشتد ومسطحات مائية تتغير خصائصها.

ولا تقف هذه التحولات عند طبريا. فبعدما تركزت معظم الإصابات المسجلة في الولايات المتحدة لعقود في الولايات الجنوبية الدافئة، سجلت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها منذ عام 2010 إصابات في مناطق أكثر شمالا، بينها مينيسوتا وأيوا ونبراسكا وإنديانا. وترى المؤسسة أن تغير المناخ قد يكون عاملا مساهما، لأن ارتفاع حرارة الهواء يرفع حرارة البحيرات والبرك والأنهار ويوسع البيئة الملائمة لنمو الأميبا.

وفي كراتشي الباكستانية تكررت الإصابات خلال أشهر الصيف، ولم ترتبط بالسباحة وحدها، بل أيضا بدخول مياه منزلية غير معقمة جيدا إلى الأنف أثناء غسل الأنف أو الوضوء. كما أثبتت دراسات في مصر وجود الأميبا في بعض عينات مياه النيل، وإن ظل تسجيل الإصابات البشرية نادرا.

لا تثبت هذه الأمثلة أن الاحترار أو ضعف الرقابة تسببا في إصابة طبريا، لكنها تكشف تحولا أوسع لا يمكن تجاهله. فالأميبا ليست كائنا غريبا وصل إلى الماء من خارجه، بل جزء من عالم مجهري تتغير شروط حضوره مع تغير الحرارة والركود والمعالجة وطرق استخدام المياه.

لقد اعتدنا أن نسأل إن كان الماء نظيفا أو ملوثا. لكن هذا السؤال لم يعد كافيا. علينا أن نسأل أيضا كم بلغت حرارته، وما الحياة المجهرية التي تتيح لها هذه الحرارة أن تزدهر.

حرارة الماء ليست بديلا عن مؤشرات النظافة المعروفة، بل طبقة جديدة في قراءة سلامته. فقد تكون نتائج الفحوص الجرثومية التقليدية سليمة، بينما تزداد داخل المسطح المائي ظروف لم تصمم تلك الفحوص لرصدها. وهذا يفرض توسيع معنى الرقابة، من البحث عن الملوث بعد ظهوره إلى فهم التحولات التي تسبق الخطر.

لا يمكن تعقيم بحيرة كاملة أو القضاء على كائن يوجد طبيعيا في بيئتها، كما أن العثور على هذه الأميبا في المسطحات الطبيعية ليس أمرا بسيطا. قد تتغير أماكن وجودها وكثافتها خلال وقت قصير، ولا تمنح عينة واحدة جوابا حاسما عن سلامة بحيرة واسعة. لذلك لا تكمن المشكلة في غياب فحص كان يمكن أن يلتقط الأميبا صباح الإصابة، بل في قدرة مؤسساتنا على تطوير معرفة تواكب واقعا مائيا جديدا.

هذه القدرة تحتاج إلى متابعة حرارة المياه ومستوياتها، وبناء أنظمة إنذار، ودعم البحث العلمي، وتدريب الطواقم الطبية، وإيصال المعلومة إلى الناس قبل وقوع المأساة. لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى ميزانيات مستقرة ورؤية بعيدة المدى.

منذ الحرب أعيد ترتيب الأولويات العامة تحت ضغط الإنفاق العسكري. وأظهرت معطيات عرضت أمام الكنيست أن ميزانية مقر وزارة الصحة تقلصت بأكثر من عشرين في المئة بين عامي 2023 و2025. كما ألغيت مخصصات بقيمة مئتي مليون شيكل كانت معدة لمشروعات المناخ والبيئة، ثم أقرت اقتطاعات شاملة إضافية طالت الوزارات الحكومية.

ما يجري تقليصه هنا ليس بندا ماليا مجردا. إنه القدرة على البحث والوقاية وتطوير أدوات رقابة تناسب المخاطر المقبلة. فالفحص الذي نعرفه لا يكشف دائما الخطر الذي لم نتعلم بعد كيف نبحث عنه، والمؤسسة التي تعمل تحت ضغط دائم ستنشغل غالبا بما وقع على حساب ما يتشكل في الأفق.

لهذا لا تبدأ الاستجابة من إغلاق الشاطئ بعد الإصابة، بل من مراقبة التغيرات الحرارية، وبناء معرفة محلية حول علاقتها بالكائنات المجهرية، وإصدار تحذيرات واضحة في الفترات الأعلى خطورة. وفي مرض نادر وسريع التطور، تصبح جاهزية الجهاز الصحي للسؤال عن التعرض للمياه العذبة جزءا من فرصة التشخيص المبكر والنجاة.

أما المسؤولية الفردية، فتبدأ بمنع دخول المياه العذبة الدافئة إلى الأنف، خصوصا أثناء القفز والغوص، وعدم استخدام ماء غير معقم لغسل الجيوب الأنفية. وإذا ظهرت أعراض عصبية حادة بعد التعرض لمياه دافئة، يجب طلب الرعاية الطبية سريعا وإبلاغ الطبيب بهذا التعرض.

ولا تعني هذه الاحتياطات أن نقطع علاقتنا بالبحيرة أو أن نعامل كل مصدر ماء بوصفه تهديدا. الخطر ما زال نادرا، لكن الندرة لا تجعل التحول الذي يكشفه قليل الأهمية.

ليست الرسالة أن نخاف من الماء، بل أن نفهم أنه لم يعد ثابتا كما تخيلناه. مع ارتفاع حرارته وتراجع مستوياته، تتغير الحياة الدقيقة التي تسكنه وتتغير معها بعض قواعد الأمان. فالأمن لا يبدأ عند المستشفى فقط، بل من بحيرة تراقب، ومعلومة تصل إلى الناس في وقتها، ومؤسسات قادرة على رؤية الخطر قبل تحوله إلى مأساة.

الأميبا نادرة، لكن الإشارة التي تحملها ليست نادرة. عالمنا المائي يتغير، وعلى مؤسساتنا أن تتعلم قراءته بالسرعة نفسها.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى