أ. د. إبراهيم طه: الكبسولة المئة (100).. “ما ضَيّق الخان إلّا حمارتي”؟!!

– هل يُعقل أن يقبل أستاذٌ وصايةً سياسيّة ورأسُهُ أعلى من برج إشكول؟!
كنتُ أظنّ أنّ “الديمقراطيّات”، حتّى المزوّرة منها، تظلّ محميّة في حرمين اثنين: الحرم القضائيّ والحرم الجامعيّ. هما آخر ما بقي من محاريب لتحصين الديموقراطيّات بالعدل وحرّيّة التعبير. هكذا ظننت لسذاجتي، وبعضُ الظنّ حوبٌ كبير.
تابعت “محاكمة” سامي أبو شحادة. يبدو أنّها لم تسمع بالمثل “مناشف العرب لِحاها”. وكنت أحسبها تنزلق، بين الحين والحين، إلى حدّ التلصُّص على روحه وأحلامه والتنصّت على نبض قلبه! سقط الحرمُ الأوّل من عينِي. وسقط الثاني من عينَيّ الاثنتين. انتُخبتُ لرئاسة قسم اللّغة العربيّة وآدابها في جامعة حيفا للمرّة الثالثة وتولّيتُ منصبي يوم 1/10/2023.
كانت الأجواءُ في الجامعة شديدةَ الاحتقان والقتامة. وفي العيون غضبٌ عاصفٌ يطلع من بين الحناجر والمحاجر.
في هذه الأجواء المكفهرّة وهذه التعبئة الانفعاليّة، طلب إليّ بعضُهم “أن أقول شيئًا” عمّا جرى في السابع من أكتوبر ذاك العام، في أوّل اجتماعٍ للقسم. وهكذا كان. حكيتُ موقفي السياسيّ المعروف. وقلت إنّ التاريخ لا ينفصل بعضُه عن بعضه. هكذا ينبغي النظر إلى جريمة حماس وقتَها، المرفوضة والمُدانة طبعًا، بوصفها فصلًا في مأساة دمويّة مستمرّة يرتكبُ فيها الاحتلالُ الإسرائيليُّ البغيض جرائمَ بشعة بصفة يوميّة منذ عقود… قلت وشرحت وأطلت.
يبدو أنّ كلامي كان كبيرًا “بِسِدّ الفضا والقضا”! في اليوم التالي، اتّصلت بي موظّفة في مكتب عميد كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، لتحدّد موعدًا للقاءٍ عاجلٍ مع العميد.
جرحتني الدعوة نفسها وأعادتني إلى ذاكرة الحكم العسكريّ وأخلاقيّاته البائدة.. كان انفعالي وغضبي يطلعُ من كلّ الفتحات والمخارج في بدني!
– ما هذه العجلة؟! “ما ضَيّق الخان إلّا حمارتي”.. يا حضرة العميد؟!!
كان العميد ونائبه في انتظاري.. الأجواء العامّة مشحونة، متكدّرة، متوتّرة. فقلت له ولنائبه، بصفة أو بأخرى، ما قلته في اجتماع القسم.
حكى العميد كثيرًا وكان حريصًا على أصول الزمالة. فهمت من مجمل كلامه أنّه يحذّرني من إقحام السياسة في الجامعة في هذه الأجواء المشحونة.
كان نقاشي المبدئيّ المحموم مع العميد قد طال وتشعّب في شِعاب. وقبل أن أغادر اللقاء، سألته كيف أحافظ على مسافة واضحة من السياسة وأنا أدرّس مساقاتٍ في الأدب الفلسطينيّ والعربيّ منذ عقود؟! قل لي كيف بالضبط يا حضرة العميد؟!
ساءت علاقتي مع إدارة الجامعة باطّراد حثيث. بعد سنتين، استقلت من رئاسة القسم!
فشر المثل الذي يقول “اللي بوكل من خبز السلطان بضرب بسيفه”.. وفشر فاعله وقائله وناقله!!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com


