د. نائلة تلس محاجنة:  بين الدلالة والانتباه… كيف تُشكّل اللغة مسارات انتباهنا؟

قبل أيام، روت لي ابنتي، وهي طبيبة، موقفًا صغيرًا بقي عالقًا في ذهني أكثر مما توقعت. دخلت غرفة في المستشفى مع زميلتيها ، فبادرتها وزميلتها العربية رائحة عرفتاها فورًا، ووصفتاها بالكلمة نفسها تقريبًا: «زنخة». أما زميلتهما الأجنبية فلم تتعرف إلى الرائحة بالطريقة نفسها. حاولت ابنتي أن تشرح، أن تبحث عن كلمات أخرى، وأن توجه انتباهها إلى الرائحة، لكن اللغة، مهما اقتربت، لم تستطع أن تضع التجربة نفسها في حاسة أخرى.

لم يكن أكثر ما أثارني أن للعربية كلمة جاهزة لهذه الرائحة. فاللغات تختلف فيما تمنحه اسمًا مستقلًا، وما تختصره لغة في لفظة واحدة قد تحتاج أخرى إلى وصف طويل كي تقترب منه. ما استوقفني كان شيئًا أدق: الكلمة كانت حاضرة، والشرح كان حاضرًا، ومع ذلك لم تنتقل الخبرة كما تنتقل المعلومة. كأن بعض الأحاسيس لا يكفي أن نعرّفها، بل تحتاج إلى تاريخ من الألفة كي يصبح التعرف إليها سريعًا وطبيعيًا.

فهل كانت النساء الثلاث أمام المثير الحسي نفسه، لكن اثنتين استطاعتا إدخاله فورًا في فئة مألوفة لديهما، بينما بقي لدى الثالثة إحساسٌ لم يجد موضعه الواضح في التصنيف؟

لا تسمح لنا واقعة عابرة كهذه بأن نقول إن اللغة هي السبب. ربما اختلفت الخبرة السابقة، وربما الحساسية الشمية، وربما البيئة الثقافية. لكن الحادثة تضع أمامنا سؤالًا يصعب تجاوزه: حين نملك اسمًا مألوفًا لخبرة ما، ونسمعه ونستعمله منذ سنوات، هل نكون قد تعلمنا الكلمة فقط، أم تعلمنا معها شيئًا عن كيفية التعرّف إلى الخبرة نفسها؟

وقد تبدأ الحكاية برائحة نصفها بأنها «زنخة»، ثم تمتد إلى شخص نقول إن «له هيبة»، وإلى موقف نصفه بأنه «نخوة». في الأولى نحاول أن نمسك بخبرة حسية، وفي الثانية بانطباع اجتماعي، وفي الثالثة بنمط من الفعل والقيمة. الكلمات مختلفة، لكن السؤال واحد: هل جاءت التسمية بعد أن اكتملت الخبرة في أذهاننا، أم أن امتلاك الفئة نفسها يساعدنا أحيانًا على جمع خيوط متفرقة من التجربة في صورة واحدة أسرع حضورًا؟

فالهيبة، مثلًا، لا تسكن موضعًا بعينه في وجه الإنسان. لا نستطيع أن نشير إلى العين أو الصوت أو طريقة الوقوف ونقول: هنا تحديدًا توجد الهيبة. ومع ذلك، قد تدخل شخصية إلى المكان فنلتقط من نبرة الصوت، والصمت، وطريقة الحركة، ونظرات الآخرين، تفاصيل متفرقة تتجمع سريعًا تحت كلمة واحدة. وكذلك «النخوة»، فهي ليست حركة جسدية بعينها، بل فعل وسياق وعلاقة وقيمة وتوقع اجتماعي تتشابك كلها في لفظة واحدة.

وامتلاك الكلمة لا يعني احتكار الخبرة. فمن لا يستعمل كلمة «هيبة» يستطيع أن يدرك الحضور الاجتماعي، ومن لا يقول «نخوة» يستطيع أن يفهم الشهامة والاستجابة للآخر. المسألة أدق من ذلك: قد تمنح بعض الكلمات الخبرة موضعًا مألوفًا تصل إليه، كأنها تجمع تفاصيل كانت متناثرة وتضع بينها خيطًا يجعل التقاطها معًا أيسر.

وربما لهذا يبدو العالم، أحيانًا، أوسع قليلًا حين نعرف له أسماء أكثر.

قد تمر مرارًا بجانب شجرة خروب على سفح أو عند أطراف قرية، فلا تكون في نظرك أكثر من شجرة أخرى تمتزج بخضرة المكان. ثم يشير إليها أحدهم ذات يوم ويقول: هذه خروبة. ومنذ تلك اللحظة تبدأ في رؤيتها حيث لم تكن تراها من قبل، تتعرّف إلى أوراقها، وإلى قرونها الداكنة المتدلية، وربما تتذكر فجأة أشجارًا مررت بها سنوات من دون أن تستوقفك. لم تنبت الخروبة يوم عرفت اسمها، ولم يتغير شيء في جذعها أو أغصانها، لكن الاسم أخرجها، بطريقة ما، من خلفية المشهد إلى مقدمته. كانت هناك طوال الوقت، لكنك الآن تعرف أين تنظر.

ويحدث الأمر نفسه في الموسيقى. قد تسمع مقطوعة عشرات المرات، ثم يلفت أحدهم انتباهك إلى آلة كانت تختبئ بين بقية الأصوات. بعد ذلك يصعب عليك ألا تسمعها. لم تدخل الآلة إلى اللحن في تلك اللحظة، لكن أذنك أصبحت تعرف أين تبحث. كأن المعرفة لم تضف صوتًا جديدًا، بل رفعت قليلًا صوتًا كان موجودًا منذ البداية.

نحن نرى الشجرة قبل معرفة اسمها، ونسمع الآلة قبل أن نعرف نوعها، ونشعر بمشاعر لا نجد لها دائمًا كلمات. لكن هذه الأمثلة تقرّب إلينا احتمالًا أكثر تواضعًا: أن الاسم لا يخلق الشيء، لكنه قد يجعل بعض خصائصه أكثر استعدادًا لأن تبرز من الخلفية.

من هنا تولدت واحدة من أكثر الأفكار إثارة في العلاقة بين اللغة والفكر، ما عُرف بـالنسبية اللغوية (Linguistic Relativity). وقد أغرتنا هذه الفكرة طويلًا، ربما لأنها توحي بأن لكل لغة نافذة خاصة على العالم، وأن المتكلمين بلغات مختلفة يحملون معهم عوالم مختلفة أينما ذهبوا.

لكن اللغة لا تبني جدارًا حول الفكر، ولا تجعل ما لا اسم له مستحيلًا على الإدراك. وفي المقابل، يصعب تصورها خادمًا صامتًا يصل بعد اكتمال التجربة ليضع عليها بطاقة اسم. لذلك ابتعد البحث المعاصر عن السؤال الحاسم: «هل تحدد اللغة الفكر؟»، وأصبح يسأل أسئلة أصغر وأكثر دقة: متى تدخل اللغة في التصنيف؟ متى تساعد الذاكرة؟ متى توجه الانتباه؟ ومتى ينجز العقل مهمته من دون حاجة إليها؟ وتشير الأدبيات إلى أن هذه التأثيرات، حين تظهر، تتغير بحسب المهمة والخبرة والسياق، وليست قوانين ثابتة تحكم الإدراك.

وهنا تعود الرائحة إلى قلب السؤال. لطالما شاع أن الروائح عصية على اللغة، وأن الإنسان يستطيع أن يشم أكثر مما يستطيع أن يسمّي. جرّب أن تقدم لشخص رائحة مألوفة من دون أن تكشف مصدرها، وقد تراه يبحث عن الاسم كما يبحث في غرفة مظلمة عن مفتاح يعرف أنه موجود فيها. يعرف الرائحة، تقترب منها ذاكرته، وربما تستدعي مكانًا أو شخصًا أو زمنًا كاملًا، ومع ذلك تفلت الكلمة.

وقد بدا هذا العجز طويلًا كأنه خاصية في حاسة الشم نفسها. لكن دراسات عابرة للغات زعزعت هذه الفكرة. فمتحدثو لغة الجاهاي في شبه جزيرة الملايو استطاعوا تسمية الروائح بقدر من السهولة والاتفاق يفوق ما ظهر لدى متحدثي الإنجليزية، كما كشفت لغات أخرى، مثل المانيق في جنوب تايلاند، عن معاجم غنية ومنظمة للروائح. ومع ذلك، لا يمكن ردّ الفارق إلى اللغة وحدها، فالبيئة والخبرة والثقافة تشارك أيضًا في تشكيل هذه القدرة. لذلك يبدو أن ما يختلف بين اللغات ليس الإحساس بالرائحة بالضرورة، بل الطريقة التي تجد بها الخبرة مكانها في التصنيف والتسمية.

ربما ليست الرائحة، في ذاتها، عصية على الكلمات. وربما تعتمد المسافة بين الإحساس واسمه، جزئيًا، على التاريخ الذي عاشته اللغة مع ذلك الإحساس. رائحة، ثم اسم. اسم، ثم رائحة أخرى تشبهها. موقف، ثم كلمة. وكلمة تعود في موقف جديد. ومع التكرار، قد لا يبقى اللفظ عنصرًا محفوظًا في المعجم فقط، بل يصبح واحدًا من الخيوط التي تساعد العقل على ربط خبرات متفرقة وتصنيفها.

وليس هذا المسار مستقيمًا كما قد يبدو. فالأبحاث في اللغة والشم تكشف علاقة تكاد تكون مفارِقة، إذ يمكن للغة أن تساعد على تكوين فئات للروائح، لكنها قد تعيق التعرف الحسي في بعض الظروف عندما تتدخل المعالجة اللفظية في المهمة. الكلمات لا تعمل دائمًا كمصباح يزيد الأشياء وضوحًا، فقد تساعد في لحظة وتربك في أخرى.

فاللغة ليست عدسة ثابتة نرتديها فنرى كل شيء من خلالها، بل جزء من منظومة أوسع تدخل فيها الذاكرة والخبرة والثقافة والجسد والانتباه.

وقد تبدأ هذه العلاقة قبل أن نتعلم التفكير فيها أصلًا، في سنوات الطفولة الأولى. فالطفل لا يتعلم اللغة من قاموس. يتعلمها داخل آلاف اللحظات الصغيرة، عين تتبع عينًا، يد تشير إلى شيء، شخص يسمّي، طفل يلتفت، وكلمة تتكرر بينما يبرز شيء من بين أشياء أخرى. يتعلم أن لهذا الشيء اسمًا، وأن شيئين مختلفين قد يحملان الاسم نفسه، وأن شيئين متشابهين قد يصر الكبار على إعطائهما اسمين مختلفين.

لكن الأدلة لا تسمح بصورة رومانسية بسيطة تقول إن الكلمات ترتب عالم الطفل منذ البداية. فالأبحاث التطورية حول دور التسميات في توجيه الانتباه وتكوين الفئات ليست متفقة تمامًا، وبعض التأثيرات تتغير باختلاف العمر والمهمة وطريقة تقديم الكلمة.

وهذا الخلاف نفسه مهم. فالطفل لا يتلقى اللغة على عقل فارغ، بل يبنيها في الوقت نفسه الذي يبني فيه خبرته بالعالم. ما يراه يؤثر فيما يتعلم أن يسميه، وما يسمعه قد يؤثر بدوره في ما يتعلم أن يلاحظه. ليست هناك لحظة واضحة نستطيع أن نقول عندها: هنا انتهى الإدراك وبدأت اللغة.

ربما كان الخطأ، إذن، في السؤال القديم نفسه. سألنا طويلًا إن كانت اللغة «تصوغ الفكر»، كأن اللغة والفكر قوتان منفصلتان، يقف أحدهما خارج الآخر ويحاول أن يترك أثره فيه. لكن الإنسان لا يعيش أولًا في عالم صامت ثم يضيف إليه الكلمات لاحقًا. نحن ننمو داخل اللغة والتجربة معًا. نرى، ونسمّي، ونتذكر، ويصحح الآخرون أسماءنا، ونكتشف فروقًا جديدة، ثم نعود فنرى ما حولنا بتاريخ أطول من التصنيف والتسمية.

وهنا تصبح النسبية اللغوية أقل شبهًا بفكرة أن لكل لغة عالمًا خاصًا، وأكثر شبهًا بفكرة أن لكل إنسان تاريخًا من الانتباه شاركت اللغة في بنائه.

فاللغة قد لا تقول لنا ماذا يجب أن نرى، لكنها قد تجعل بعض الفروق مألوفة إلى درجة أن التقاطها يصبح أسرع. قد لا تصنع الشعور، لكنها قد تمنحه حدودًا يمكن الإمساك بها. وقد لا تخلق القيمة الاجتماعية، لكنها قد تجمع مظاهرها المتفرقة في كلمة مثل «هيبة» أو «نخوة»، فنستدعي شبكة كاملة من المعاني بلفظة واحدة.

الكلمة، بهذا المعنى، ليست سجنًا للفكر، وليست مرآة صامتة له. إنها أثر متراكم من المرات التي تعلمنا فيها أن نلتفت إلى شيء، وأن نفصله عن شيء آخر، وأن نقول عنه: هذا هو.

ومنذ أن روت لي ابنتي حادثة المستشفى، أعود أحيانًا إلى تلك الغرفة. لا أعرف إن كانت كلمة «زنخة» هي التي جعلتها وزميلتها أسرع في التعرف إلى الرائحة، ولا تسمح لنا الحادثة، ولا العلم، بأن نقول ذلك بهذه البساطة. ربما كانت الخبرة، وربما الثقافة، وربما اختلافًا فرديًا في الشم، وربما اجتمعت أشياء كثيرة لا نستطيع فصلها.

لكن ما بقي معي لم يكن الجواب، بل السؤال: ماذا يحدث حين نمنح الخبرة اسمًا، ثم نكرر هذا الاسم سنوات طويلة، حتى يصبح الطريق بين الإحساس والكلمة طريقًا مألوفًا؟

ربما لا تغيّر اللغة العالم الذي يصل إلى حواسنا. لكنها، بعد آلاف المرات التي سمّينا فيها ذلك العالم، قد تشارك في تحديد أي تفاصيله تجد طريقها أسرع إلى وعينا. فاللغة لا تعيد تشكيل العالم من حولنا، لكنها قد تسهم في تشكيل الطريق الذي يعبر به إلى وعينا، فتنسج من بعض ما كان متناثرًا وعابرًا في الحاسّة صورةً أكثر تماسكًا، وحضورًا أرسخ في المعنى.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى