تامر اغبارية: لبن المقاطعة والتصويت.. موقف شخصي ومسؤولية جماعية

إلى أبناء مجتمعنا العربي، إلى كل ناخب وناخبة، وإلى كل من يؤمن بأن لهذا المجتمع مستقبلًا يستحق أن نناضل من أجله.

مع اقتراب انتخابات الكنيست، يعود السؤال الذي يشغل مجتمعنا العربي في كل مرة: هل نصوّت أم نقاطع؟ وهل يمكن لصوتنا أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في واقعنا، أم أن مشاركتنا في الانتخابات أصبحت مجرد محاولة متكررة للتأثير في منظومة لا تنصفنا؟

أقولها بصراحة: لو أُتيح لي أن أتخذ القرار نيابةً عن مجتمعنا العربي، وأن أختار بين التصويت والمقاطعة، لاخترتُ ألّا يصوّت أبناء مجتمعنا، بكل مكوّناته، لا من باب اللامبالاة، بل باعتبار المقاطعة الجماعية موقفًا سياسيًا احتجاجيًا واضحًا، ورسالة قوية تقول إن مجتمعنا الذي يشكّل نحو 20% من المواطنين لا يمكن أن يستمر في منح شرعيته السياسية لمنظومة يشعر بأنها تستهدفه وتضيّق عليه.

فنحن أقلية تعاني من التمييز، ونواجه قوانين وسياسات أرى أنها مجحفة بحقنا، وتتعامل معنا في كثير من الأحيان بمنطق الإقصاء وعدم المساواة. وفي ظل هذا الواقع، كنت أرى أن مقاطعة جماعية موحّدة، لو تحققت، قد تكون أبلغ من مشاركة منقسمة، يصوّت فيها جزء من المجتمع ويقاطع الجزء الآخر، فتضيع الرسالة بين مؤيد ومعارض، ولا يتحقق الضغط السياسي المنشود.

لكن السياسة ليست أمنيات، والواقع لا يُدار دائمًا وفق ما نراه مثاليًا. ما دام مجتمعنا منقسمًا بين من يدعو إلى المقاطعة ومن يرى في التصويت ضرورة، وما دام هناك من سيذهب إلى صناديق الاقتراع، فإنني أميل شخصيًا إلى التصويت، لا لأنني مقتنع بأن التصويت وحده سيغيّر الواقع، بل لأنني لا أريد أن أُغلق بابًا، ولو كان ضيقًا، أمام إمكانية التغيير.

أصوّت على أمل أن نتمكن من إحداث فرق، ولو جزئيًا، في مواجهة سياسات التمييز، وفي الدفاع عن حقوقنا، وفي تعزيز مكانة مجتمعنا وحماية مستقبله. فربما نستطيع أن نغيّر شيئًا، وربما لا نحقق كل ما نطمح إليه، لكن المحاولة السياسية الواعية تظل خيارًا مطروحًا ما دامت تستند إلى مبادئ واضحة وثوابت لا تقبل المساومة.

وهنا أؤكد أن التصويت بالنسبة إليّ ليس شيكًا على بياض، وليس تفويضًا مطلقًا لأي قائمة أو قيادة سياسية. فالمشاركة في الانتخابات يجب أن تكون مرتبطة بموقف سياسي وأخلاقي واضح، وبمدى التزام القوائم بثوابت مجتمعنا ومصالحه الحقيقية.

ومن هذا المنطلق، فإن نهج القائمة العربية الموحدة، كما أراه، لا يمثّلني في صورته الحالية؛ إذ أعتقد أنها ابتعدت عن بعض الثوابت وتنازلت عن مواقف أراها أساسية في تمثيل مجتمعنا والدفاع عن قضاياه. وأنا لا أقبل أن يكون ثمن المشاركة السياسية هو التنازل عن المبادئ أو التكيّف مع واقع يفرض علينا سقفًا منخفضًا من المطالب والحقوق.

أنا لا أريد الانصهار، ولا أريد أن أفقد هويتي وموقفي وثوابتي من أجل أن أكون مقبولًا لدى الآخرين. أريد أن أعيش بكرامة، وأن أكون مواطنًا كامل الحقوق، وأن أرى مجتمعنا ينعم بالمساواة والأمان والعدالة، دون أن يُطلب منا التنازل عن هويتنا أو مبادئنا مقابل الاعتراف بحقوقنا.

وبناءً على موقفي الشخصي، أجد نفسي أقرب إلى خيار التصويت للقائمة المشتركة، برئاسة بروفيسور يوسف جبارين، باعتباره الخيار الذي أراه أقرب إلى توجّهي السياسي في هذه المرحلة. وهذا موقف شخصي أعبّر عنه بكل وضوح، ولا أفرضه على أحد، ولا أعتبره معيارًا للحكم على مواقف الآخرين أو وطنيتهم.

كلمتي الأخيرة لأبناء مجتمعنا العربي:

قد نختلف في مسألة التصويت والمقاطعة، وقد تتباين قراءاتنا للواقع السياسي، لكن ما يجب ألّا نختلف عليه هو حق مجتمعنا في الحياة الكريمة، والمساواة، والأمان، والعدالة، والتمسك بالهوية والثوابت.

أنا، لو كان القرار بيدي وحدي، لاخترت المقاطعة الجماعية بوصفها موقفًا احتجاجيًا موحّدًا. لكن في ظل واقعنا الحالي، أميل إلى التصويت، على أمل أن يكون صوتي جزءًا من محاولة إحداث التغيير، لا تعبيرًا عن الرضا عن الواقع القائم.

صوّتنا أو قاطعنا، يجب ألّا نسمح لأحد بأن يصادر حقنا في الاختلاف، أو أن يحوّل خلافنا السياسي إلى انقسام في مجتمعنا. فالمطلوب ليس مجرد المشاركة في الانتخابات، بل أن نعرف لماذا نشارك، ولمن نمنح أصواتنا، وما الثمن الذي نرفض دفعه مهما كانت الظروف.

هذا موقفي، بكل صراحة ووضوح. موقف شخصي نابع من قناعتي بأن كرامة مجتمعنا وثوابته وحقوقه يجب أن تبقى فوق كل اعتبار سياسي أو انتخابي.

(مصمص)

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى