مرعي خبزنا: من أم الفحم إلى أحضان الكرمل… رحلةٌ في الذاكرة والتاريخ والطبيعة

** رحلة مجموعة الرواية الفلسطينية… حكاية أرضٍ تحفظ أسماءها، وزيتونٍ يروي تاريخها، وقرى لا تزال تسكن الذاكرة

في صباح هذا اليوم (الاربعاء، انطلقنا من أم الفحم برفقة **مجموعة الرواية الفلسطينية**، في رحلة ثقافية وتاريخية حملتنا بين تضاريس الأرض الفلسطينية وذاكرتها، مرورًا بمفرق مجيدو ومرج ابن عامر، وصولًا إلى أحضان جبل الكرمل وقراه وبلداته، حيث تختلط روعة الطبيعة بعمق التاريخ، وتبقى الحكاية الفلسطينية حاضرة في كل حجر وشجرة واسم مكان.

لم تكن رحلتنا مجرد نزهة عابرة، بل كانت جولةً في ذاكرة الأرض والإنسان، أعادتنا إلى حكايات القرى المهجّرة، وإلى حياة أهلها، وإلى ما تختزنه هذه البلاد من جمالٍ وألمٍ وانتماء.

مرج ابن عامر… سهل الحكايات الممتدة

مررنا عبر مفرق مجيدو بمحاذاة مرج ابن عامر، ذلك السهل الفلسطيني الواسع الذي يمتد بين جبال الجليل والكرمل وجبال نابلس، ويُعدّ من أشهر السهول الزراعية في البلاد. عُرف عبر التاريخ بخصوبة تربته واتساع حقوله، فكان موطنًا للزراعة وممرًا للقوافل والجيوش، وشاهدًا على تعاقب الحضارات والأحداث.

ارتبطت حياة القرى المحيطة به بأرضه ومواسمه، فكان القمح والزيتون وسائر المحاصيل جزءًا من ذاكرة الناس ولقمة عيشهم. وما زال مرج ابن عامر، بما يحيط به من جبال وقرى، لوحةً طبيعية تذكّرنا بأن الأرض ليست مساحةً جغرافية فحسب، بل تاريخٌ حيّ وذاكرةٌ لا تنفصل عن أهلها.

أم الزينات المهجّرة… فطورٌ على مائدة الذاكرة

كانت محطتنا الأولى في **منتزه أم الزينات، القرية الفلسطينية المهجّرة**، حيث تناولنا فطورنا الجماعي في أجواءٍ من الألفة والمحبة والأخوّة. اجتمعنا حول المائدة، وتبادلنا الأحاديث والابتسامات، وشعرنا أن جمال الرحلة لا تصنعه الأماكن وحدها، بل تصنعه أيضًا الصحبة الطيبة والقلوب التي تجمعها المحبة.

تقع أم الزينات على المنحدرات الغربية لجبل الكرمل، وقد عُرفت ببيوتها وأراضيها الزراعية وبساتين الزيتون. وقبل نكبة عام 1948، بلغ عدد سكانها نحو **1,700 نسمة تقريبًا**، عاشوا في مجتمع قروي ارتبط بالأرض والزراعة والعلاقات الاجتماعية المتينة.

لكن النكبة غيّرت مصير القرية، وهُجّر أهلها، وبقي اسمها شاهدًا على حياةٍ كانت هنا، وعلى بيوتٍ وأراضٍ وذكرياتٍ لم تختفِ من وجدان أبنائها.

ولا بدّ هنا من توجيه الشكر لمرشدنا المرافق **أبي ربيع**، الذي أتحفنا بمعلوماته التاريخية والجغرافية، ورافقنا بأسلوبٍ شيّق أعاد للأماكن أصواتها وحكاياتها. ومن بين المعلومات التي لفتت انتباهنا حديثه عن أشجار الزيتون المعمّرة، التي يُقدّر عمر بعضها بما لا يقل عن ثلاثمئة عام؛ أشجارٌ تقف كأنها شهودٌ صامتة على أجيالٍ مرّت من هنا، وعلى تاريخٍ لا تستطيع السنوات محوه.

الكرمل… رأسٌ وخشمٌ وقرنٌ، وجمالٌ لا ينتهي

واصلنا رحلتنا في أحضان جبل الكرمل، وتعرّفنا إلى تضاريسه وتسمياته، ومنها الرأس والخشم والقرن، وهي أسماء جغرافية ترتبط بشكل الجبل وامتداداته وبروزاته الصخرية.

وبين المرتفعات والمنحدرات، انفتحت أمامنا مشاهد طبيعية آسرة، تتعانق فيها الأشجار مع الصخور، وتطلّ منها الجبال على السهول والقرى والبحر.

وتحدّث مرشدنا عن قِدَم الاستيطان البشري في منطقة الكرمل، وعن الأدلة الأثرية التي تجعلها من أهم المناطق في دراسة حياة الإنسان القديم. فقد عُثر في كهوف الكرمل على آثار تعود إلى مئات آلاف السنين، وتشير إلى أن هذه المنطقة كانت موطنًا للإنسان في عصور سحيقة، وأن تاريخها أقدم بكثير من تاريخ القرى الحديثة التي نعرفها اليوم.

وهنا ندرك أن الكرمل ليس مجرد جبل أخضر، بل سجلّ مفتوح لحياة الإنسان والطبيعة عبر آلاف الأجيال.

دالية الكرمل ودالية الروحة… حكاية المكان والإنسان

ومن بين دروب الكرمل، تحدّثنا عن دالية الكرمل ودالية الروحة، وعن طبيعة المنطقة التي جمعت بين الجبال والوديان والأراضي الزراعية والقرى القديمة.

وتعرّفنا إلى دالية الكرمل، البلدة التي يسكنها أبناء الطائفة الدرزية، وما تتميز به من تراث اجتماعي وثقافي، وعلاقة وثيقة بالأرض والعادات والتقاليد. كما استمعنا إلى حكايات عن العائلات التي سكنت المنطقة، ومنها عائلات مسلمة من بيت فحماوي وحمّاد، بحسب ما ورد في شرح مرشدنا.

وفي عسفيا، تأملنا المرتفعات والمشاهد الطبيعية الخلابة، حيث يمتد النظر بين الأشجار والوديان والسهول، وتبدو الطبيعة كأنها لوحة رسمتها يد الزمن، بألوان تتبدل مع الضوء والظل.

أشجار الكرمل… ذاكرة خضراء وأمثال من تراثنا

لم تكن الأشجار في رحلتنا مجرد نباتات نمرّ بجانبها، بل كانت جزءًا من الحكاية. شرح لنا أبو ربيع عن شجر البطم والغار والزعرور والبلوط، وعن أهمية هذه الأشجار في البيئة الفلسطينية، وما ارتبط بها من استعمالات شعبية وأمثال متوارثة.

وتوقفنا عند المثل الشعبي الذي ذكره مرشدنا: **«إجاك يا بلوط، مين يعرفك!»**، وهو من تلك العبارات الشعبية التي تثير الفضول وتفتح باب الحديث عن الأمثال التي حفظها الناس في ذاكرتهم، وتناقلوها من جيل إلى جيل.

فالأرض الفلسطينية لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل تحفظه أيضًا في أسماء الأشجار، وأمثال الجدّات، وحكايات الفلاحين، وفي العلاقة العميقة بين الإنسان ومحيطه.

وادي الملح ووادي الشقاق… أسماء تحكي عن الأرض

واصلنا المسير مرورًا بوادي الملح ووادي الشقاق، حيث تتداخل تضاريس الكرمل وتتنوع مظاهر الطبيعة. وتعرّفنا إلى أسماء الأماكن والقرى التي ارتبط بعضها بالأشجار والنباتات التي اشتهرت بها المنطقة، مثل السنديانة، التي ترمز في وجداننا إلى الثبات والقوة وطول العمر.

وتحدثنا عن أسماء مواضع وقرى أخرى، وعن **قرية أجزم وزمّارين**، وما تحمله هذه التسميات من دلالات تاريخية وشعبية. وقد استوقفنا الحديث عن زمّارين، وما ارتبط باسمها من روايات عن الغناء والعازفين، إلى جانب حكايات القرى التي نُسبت تسمياتها إلى الطبالين وأهل الفن.

وهكذا، كانت كل محطة فرصة لاكتشاف أن الاسم ليس مجرد كلمة على خريطة، بل قد يكون أثرًا من حياة الناس، أو وصفًا لطبيعة المكان، أو حكاية تناقلتها الأجيال.

رضوى عاشور ورواية «الطنطورية»… حين يصبح الأدب ذاكرة للوطن

ومن بين المحطات التي حملت بُعدًا ثقافيًا وإنسانيًا، استحضرنا الكاتبة **رضوى عاشور** وروايتها الشهيرة «الطنطورية»، التي جعلت من قرية الطنطورة الفلسطينية وذاكرة أهلها محورًا لحكاية أدبية عن النكبة والاقتلاع واللجوء، وعن الإنسان الذي يحمل وطنه في ذاكرته مهما ابتعدت المسافات.

فالأدب الفلسطيني، وما كُتب عن القرى المهجّرة، يمنح الأماكن صوتًا، ويعيد إلى الواجهة أسماءً قد يحاول النسيان أن يطويها. ومن هنا، فإن قراءة الروايات التي تتناول الذاكرة الفلسطينية ليست مجرد فعل ثقافي، بل نافذة لفهم التجربة الإنسانية التي عاشها أهل هذه البلاد.

الطنطورة… وقفة وفاء أمام ذاكرة الشهداء

كانت لنا وقفة مؤثرة عند موقع الطنطورة، حيث استعدنا مأساة القرية وأحداث عام 1948، وتوقفنا عند الموقع الذي يُشار إليه في روايات وشهادات فلسطينية بوصفه موضع قبر جماعي يقع اليوم تحت موقف للسيارات.

هناك، قرأنا الفاتحة على أرواح الشهداء، واستحضرنا أرواح الذين فقدوا حياتهم، وتركوا خلفهم عائلات وبيوتًا وذكريات.

كانت لحظة تختصر الكثير من الوجع؛ لحظة شعرنا فيها أن واجبنا تجاه الشهداء لا ينتهي عند قراءة الفاتحة، بل يمتد إلى حفظ الرواية، وتوثيق الشهادات، ونقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة.

فالمكان قد يتغير شكله، وقد تتبدل معالمه، لكن الذاكرة الحية تظل قادرة على استعادة الحكاية، وإبقاء الإنسان حاضرًا في تاريخ أرضه.

عين حوض… قرية الفنانين فوق حكاية فلسطينية

ومع استمرار رحلتنا، وصلنا إلى **قرية الفنانين عين حوض**، التي أُقيمت عام 1953 في موقع قرية عين حوض الفلسطينية التي هُجّر أهلها خلال نكبة عام 1948.

تجولنا في المكان الذي تسكنه اليوم الفنون، وتحوّلت فيه بيوت عربية قديمة إلى فضاءات للإبداع والعمل الفني. لكن خلف المشهد الجميل، تقف حكاية أهل القرية الأصليين الذين فقدوا بيوتهم وأرضهم، وأقام بعضهم لاحقًا قرية عين حوض الجديدة بالقرب من قريتهم الأصلية.

وهنا تبرز أهمية أن ننظر إلى المكان من زاويتين: زاوية جماله المعماري والطبيعي، وزاوية تاريخه الإنساني. فالفن والجمال لا يلغيَان ذاكرة المكان، بل إن المعرفة الحقيقية تمنحنا قدرة أعمق على فهمه واحترام قصته.

مطعم الوادي… مائدة تجمع الرفاق

ومع اقتراب مغيب الشمس، وبعد يوم حافل بالمعلومات والمشاهد والذكريات، توجهنا إلى مطعم الوادي، حيث استقبلتنا مائدة عامرة بما لذّ وطاب من الطعام.

كانت استراحة جميلة بعد ساعات من التجوال، وفرصة لتبادل الانطباعات والحديث عن المحطات التي مررنا بها. فالرحلات الناجحة لا تُقاس بعدد الأماكن التي نزورها فحسب، بل بما تتركه في نفوسنا من معرفة ومودة وذكريات مشتركة.

سمير أبو الهيجا… مسك الختام وحكاية القرية من أهلها

وكان مسك الختام لقاءنا بالكاتب القدير، ابن القرية، **الأستاذ سمير أبو الهيجا**، الذي أهدانا من كتبه، ومنحنا من وقته ومعرفته، وشرح لنا بإسهاب تاريخ القرية والأحداث التي مرّت بها منذ النكبة، وصولًا إلى الاعتراف الرسمي بها.

لقد كان اللقاء فرصة ثمينة للاستماع إلى رواية المكان من أحد أبنائه، والتعرف إلى تفاصيل الحياة التي عاشها أهل القرية، والتحديات التي واجهوها في سبيل البقاء والحفاظ على هويتهم ووجودهم.

فحين يروي ابن القرية حكايتها، لا يتحدث عن التاريخ بوصفه أحداثًا بعيدة فحسب، بل يتحدث عن ذاكرة عاشها الناس، وعن تفاصيل البيوت والعائلات والأرض، وعن الإصرار على البقاء رغم كل الظروف.

كل الشكر والتقدير للأستاذ سمير أبو الهيجا على حفاوة الاستقبال، وعلى كتبه القيّمة ومعلوماته الغنية التي أضافت إلى رحلتنا بُعدًا ثقافيًا وإنسانيًا عميقًا.

شكرًا للإدارة الحكيمة ولكل من صنع هذه الرحلة

وفي ختام يومنا، لا بدّ من توجيه أسمى آيات الشكر والتقدير إلى **الإدارة الحكيمة لمجموعة الرواية الفلسطينية**، التي أحسنت التنظيم والتخطيط واختيار المحطات، وجمعت بين المعرفة التاريخية ومتعة الرحلة وروح الأخوّة. فنجاح هذا اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة جهد واهتمام وحرص على أن تكون الرحلة غنية بالمعلومات والتجارب الإنسانية.

كما نتوجه بالشكر الجزيل إلى مرشدنا المرافق **أبي ربيع**، الذي أمتعنا بمعلوماته التاريخية والجغرافية، وربط لنا بين أسماء الأماكن وذاكرتها، وجعل من الطريق درسًا مفتوحًا في التاريخ والطبيعة والتراث.

والشكر موصول إلى الأستاذ **سمير أبو الهيجا** على استقباله الكريم، وإلى جميع المشاركين في المجموعة، الذين صنعوا بأخلاقهم ومحبتهم وألفتهم أجواء أخوية جميلة، وإلى كل من أسهم في إنجاح هذا اليوم المميز.

لقد عدنا من رحلتنا ونحن نحمل صورًا جميلة، ومعلومات جديدة، وحكايات تستحق أن تُروى. تعلمنا أن شجرة الزيتون قد تكون أقدم من ذاكرة جيل، وأن القرية المهجّرة لا تغيب ما دام هناك من يذكر اسمها، وأن الطريق بين أم الفحم والكرمل ليس مجرد مسافة جغرافية، بل رحلة في عمق الهوية والتاريخ والانتماء.

**فالرحلات الحقيقية ليست تلك التي نقطع فيها المسافات فقط، بل تلك التي تقرّبنا من أرضنا، وتفتح أعيننا على تاريخها، وتزرع في نفوسنا محبة المعرفة والوفاء للذاكرة.**

وما أجمل أن نعود إلى بيوتنا وقد أضفنا إلى أرشيف ذاكرتنا يومًا من المعرفة والصحبة الطيبة، وأدركنا من جديد أن فلسطين ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل حكاية نعيش بها، وذاكرة نحملها، وأمانة ننقلها إلى أبنائنا وأحفادنا.

**تحية وفاء لمجموعة الرواية الفلسطينية، وتحية تقدير لإدارتها الحكيمة، ولأبي ربيع مرشدنا المميز، وللأستاذ سمير أبو الهيجا، ولكل رفيق شاركنا هذا اليوم الجميل.**

**ولأرضنا الفلسطينية التي لا تنتهي حكاياتها، ولزيتونها الذي يشهد على جذورنا، ولقراها التي تسكن الذاكرة مهما طال الغياب… عهدًا أن تبقى الرواية حيّة، وأن تبقى الحكاية أمانة في أعناقنا.**

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى