ماس وتد | أخصائية تغذية علاجية: نركض خلف الحياة… وننسى أن نعيشها!

نستيقظ كل صباح لنبدأ سباقًا جديدًا… نركض خلف العمل، والمال، والنجاح، ومستقبل أبنائنا. نحاول أن نكون أقوياء، ناجحين، حاضرين للجميع، لكن وسط هذا الركض، متى كانت آخر مرة سألنا فيها أنفسنا: هل نحن فعلًا نعيش، أم أننا فقط نحاول اللحاق بالحياة؟

نخطط لمستقبل أولادنا، ونرتب التزاماتنا، ونلاحق المواعيد، لكننا ننسى أبسط الحقوق التي تحتاجها أجسادنا لتستمر.

ننسى أن نشرب الماء، نؤجل وجباتنا، نختصر ساعات نومنا، ونمرّ بأيام كاملة دون أن نتناول كمية كافية من الخضراوات أو البروتين.

والأخطر أننا بدأنا نتعامل مع هذا الإهمال وكأنه أمر طبيعي، بل وأحيانًا نعتبره دليلًا على الاجتهاد والنجاح!

لكن هل سألنا أنفسنا يومًا: ما الثمن الصحي الذي ندفعه مقابل هذا السباق؟

من خلال تجربتي الممتدة لأكثر من عشرين عامًا في مجال التغذية العلاجية، أدركت أن المشكلة ليست دائمًا في كمية الطعام التي نتناولها، بل في نمط الحياة الذي نعيش فيه.

فالإنسان الذي يعاني من ضغط نفسي مستمر لا يحتاج فقط إلى جدول غذائي، بل إلى فهم العلاقة العميقة بين حالته النفسية وجسده واحتياجاته الطبية.

عندما نعيش تحت التوتر المزمن، قد ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول، وتتغير شهيتنا وأنماط نومنا، وقد نجد أنفسنا نبحث عن السكريات أو الأطعمة الغنية بالدهون، ليس لأن أجسادنا تحتاج إليها بالضرورة، بل لأننا نحاول الحصول على لحظة سريعة من الراحة.

وهنا تبدأ دائرة يصعب الخروج منها: توتر، نوم غير كافٍ، تعب، اختيارات غذائية غير متوازنة، ثم شعور إضافي بالإرهاق والذنب.

ولذلك، أريد أن أشارككم بعض الحقائق الصحية التي قد تغيّر طريقة تعاملنا مع أجسادنا.

أولًا: النوم ليس وقتًا ضائعًا من يومنا، بل جزء من العلاج.

كثيرون يعتقدون أن النوم خمس ساعات أو أقل يمنحهم وقتًا أطول للإنجاز، لكن قلة النوم تؤثر في تنظيم الشهية والمزاج والتركيز، وقد تؤثر مع الوقت في صحة التمثيل الغذائي.

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو سبع إلى تسع ساعات من النوم يوميًا. والأهم أن نحافظ قدر الإمكان على مواعيد ثابتة، وأن نمنح أجسادنا فرصة للراحة بعيدًا عن الشاشات والضغوط قبل النوم.

ثانيًا: لا تنتظروا الشعور بالعطش حتى تتذكروا الماء.

في زحمة الحياة، قد يمضي يوم كامل ونحن نعتمد على القهوة والمشروبات المختلفة وننسى شرب الماء.

والترطيب غير الكافي قد يزيد الشعور بالتعب والصداع وضعف التركيز. لذلك أنصح بوضع زجاجة ماء أمامنا خلال العمل، وتوزيع الشرب على مدار اليوم بحسب احتياجات الجسم والطقس والنشاط البدني والحالة الطبية.

ثالثًا: الخضراوات ليست مجرد زينة على المائدة.

الخضراوات مصدر مهم للألياف والفيتامينات والمعادن، وتساعد على دعم صحة الجهاز الهضمي وتعزيز الشعور بالشبع.

اجعلوا نصف طبق الغداء أو العشاء تقريبًا من الخضراوات المتنوعة كلما أمكن، واختاروا ألوانًا مختلفة للحصول على عناصر غذائية متنوعة. ولا تنسوا الفواكه الكاملة ضمن نظامكم اليومي.

رابعًا: البروتين ليس حكرًا على الرياضيين.

البروتين عنصر أساسي للحفاظ على العضلات ودعم وظائف الجسم والمناعة والتعافي، خصوصًا مع التقدم في العمر.

لكن احتياجاتنا منه تختلف باختلاف العمر والوزن والكتلة العضلية والنشاط البدني والحالة الصحية.

والنصيحة العملية هي أن نوزع مصادر البروتين على وجباتنا، بدلًا من تناول معظم احتياجنا في وجبة واحدة. ويمكن التنويع بين البيض، واللبن، والأسماك، والدجاج، والبقوليات.

أما الأشخاص الذين يعانون من أمراض الكلى أو بعض الحالات الطبية الأخرى، فقد يحتاجون إلى تعديل الكمية بإشراف مختص.

خامسًا: ليس كل جوع نعيشه جوعًا جسديًا.

أحيانًا نفتح الثلاجة لأننا حزينون، أو نتناول الحلويات لأننا مرهقون، أو نفقد شهيتنا تمامًا نتيجة القلق.

وهنا علينا أن نتعلم التمييز بين الجوع الجسدي والجوع العاطفي، دون تأنيب أنفسنا.

وقبل أن نبحث عن الطعام، يمكن أن نسأل: هل أنا جائع فعلًا؟ أم أحتاج إلى استراحة، أو نوم، أو حديث مع شخص أحبه؟

فالتغذية الصحية لا تعني الحرمان، والصحة النفسية لا تتحسن بمجرد اتباع حمية غذائية.

وأهم ما أود التأكيد عليه أن أجسادنا ليست متشابهة.

قد يكون التعب المستمر مرتبطًا بقلة النوم أو الضغوط النفسية، لكنه قد يكون أيضًا نتيجة فقر الدم، أو اضطرابات الغدة الدرقية، أو نقص بعض العناصر الغذائية، أو أمراض وحالات طبية أخرى.

لهذا، لا يكفي أن نتبع حمية منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن نفهم حالتنا الصحية ونبحث عن الأسباب الحقيقية وراء الأعراض المستمرة.

وفي النهاية…

نحن لا نحتاج دائمًا إلى تغيير حياتنا بالكامل، بل ربما إلى قرارات صغيرة نكررها كل يوم: ساعة نوم إضافية عند الحاجة، كوب ماء بدلًا من تجاهل العطش، طبق خضراوات، وجبة متوازنة، أو عشر دقائق من الهدوء بعيدًا عن الضجيج.

لقد تعلمت خلال سنوات عملي أن الصحة ليست رقمًا على الميزان، ولا مقاسًا للملابس، بل قدرة الإنسان على أن يعيش حياته بطاقة وكرامة وتوازن.

لا تجعلوا أجسادكم تدفع ثمن طموحاتكم، ولا تجعلوا صحتكم آخر بند في قائمة مسؤولياتكم.

فنحن نركض طوال العمر لنؤمّن حياة أفضل لمن نحب، لكن من سيستمتع بكل ما بنيناه إن خسرنا صحتنا في الطريق؟

تذكروا دائمًا: لا يكفي أن نضيف سنوات إلى أعمارنا، بل علينا أن نضيف صحة وحياة إلى سنواتنا.

** ماس وتد أخصائية تغذية علاجية ورائدة أعمال في مجال الصحة والابتكار الصحي

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى