د. علي خليل جبارين: لكي تبقى بيوتنا عامرة…!

عجبًا لهذا الجذر: “ع م ر”! كم حيّر المستعمر وأربك حساباته وأعجزه على مرّ القرون عن إدراك أسرار اشتقاقاته ودلالاته! وكلما توغّل في محاولة فهمه، ازداد تيهًا.
يصغي بدهشة إلى الضيف العربي وهو يقول بعد أن يرتشف قهوته: “عمار”، فيجيبه مضيفه بابتسامة دافئة: “عمرانة بوجودك”. كلمات عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل من المودة والامتنان والدعاء ما يتجاوز حدود اللغة، وتجسّد حالة من الألفة والانتماء. يبحث المستعمر في معاجم اللغات عن مرادف لهذه الكلمات، فيعود خائبًا، إذ لا يجد سوى شروح عاجزة عن نقل معناها بدقة. وتظل أصداؤها تتردد في مكاتبه ودوائر صنع القرار لديه، فتزيده حيرة وغيظًا: كيف لعبارات بسيطة كهذه أن تتجاوز الحجارة والجدران والحدود لتبلغ جوهر الحياة وتلامس حقيقة الانتماء والكرامة؟
إنها ببساطتها وعمقها تذكّره بحقيقة يغفل عنها: أن البيوت لا تُعمر بالحجارة وحدها، بل بأهلها وأمنهم وقدرتهم على البناء والبقاء. فالعمران في الوجدان العربي ليس مجرد جدران تُبنى، بل حياة تُصان، وكرامة تُحفظ، وانتماء تتوارثه الأجيال.
لكن المفارقة المؤلمة أن مجتمعنا الذي ما زال يجعل “العمار” دعاءً يوميًا يواجه أزمة سكن خانقة. ينتظر أبناؤه رخص البناء سنوات طويلة، فيما تلاحق الآلاف منهم أوامر الهدم والغرامات. وتعود جذور هذه الأزمة إلى مصادرة الأراضي منذ عام 1948، وتضييق مناطق نفوذ البلدات العربية، ومنع إقامة بلدات جديدة تستوعب نموها السكاني، فضلًا عن قصور التخطيط وتعقيدات تسجيل الأراضي ونقص البنى التحتية وبطء إجراءات الترخيص. وهكذا تتسع الفجوة بين الحاجة المتزايدة إلى المسكن وإمكانية بنائه بصورة قانونية.
صحيح أن المسؤولية الأولى تقع على الدولة ومؤسساتها، لكن للسلطات المحلية دورًا حاسمًا في تحويل الإمكانات إلى حلول ملموسة. ويُعدّ قسم الهندسة من أهم أعمدة العمل البلدي، إذ تتوقف على كفاءته قدرة البلدات على تطوير مشاريعها وتوفير مقومات النمو والسكن. فمن خلال إعداد المخططات وتسوية أوضاع الملكيات وتوفير البنى التحتية وتهيئة الأراضي للبناء، تتحول الخطط من حبر على الورق إلى فرص حقيقية لبناء البيوت وتطوير الأحياء. بناءً عليه، لا يُقاس نجاح السلطة المحلية بعدد المخططات التي تمت المصادقة عليها فحسب، بل بقدرتها على تهيئة الظروف التي تجعل البناء ممكنًا على أرض الواقع.
لذلك، ينبغي أن يتصدر تطوير أقسام الهندسة وتعزيز قدراتها سلم أولويات السلطات المحلية العربية. غير أن كفاءة هذه الأقسام، مهما بلغت، تظل محدودة ما دامت الأراضي غير متاحة للتخطيط والبناء. وهذا يستوجب توحيد جهود أعضاء الكنيست العرب ورؤساء السلطات المحلية لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية تؤثر بشكل مباشر على مستقبل المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني برمته: توسيع مناطق نفوذ البلدات القائمة، وانتزاع الاعتراف بالقرى غير المعترف بها، والعمل على إقامة مدن وقرى جديدة. فهذه ليست مطالب هامشية، بل شروط أساسية لضمان حق المواطنين العرب في السكن والحياة الكريمة.
وإلى جانب الجهود المؤسساتية، تقع على عاتق الأفراد والعائلات مسؤولية حل الخلافات حول الأراضي الموروثة بروح من التفاهم والإنصاف، بعيدًا عن أروقة المحاكم، كي لا تتحول النزاعات العائلية إلى عائق إضافي أمام حق الأجيال الجديدة في السكن. فما دامت بلداتنا محاصرة بحدود رُسمت قبل عقود في ظروف استثنائية، وعاجزة عن استيعاب الأجيال الشابة الباحثة عن مسكن، ستظل الإنجازات الأخرى، مهما بلغت أهميتها، قاصرة عن تلبية تطلعات المواطنين، وستبقى الشراكة مع السلطات المركزية منقوصة ما لم تُترجم إلى تغيير حقيقي على الأرض.
فكلمة “عمار” ليست مجاملة تُقال في المناسبات على فنجان قهوة، بل مسؤولية أخلاقية وميثاق شرف ومنهج عمل. ولكي تبقى ديارنا وبيوتنا عامرة، لا بد أن ننتقل من الدعاء بالعمار إلى تهيئة أسبابه: إتاحة الأراضي، واعتماد تخطيط فعّال، وإدارة مهنية تُسهّل البناء وتصون حق الناس في السكن الكريم، إلى جانب ترسيخ ثقافة التسامح التي تجعل الإصلاح أولى من الخصام.
والله الموفق والمستعان.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



