رانية عقل: في موسم الزيتون.. يشتدّ غيابكما!

في موسم الزيتون، يشتدّ غيابكما حتى أكاد ألمسه بين الأغصان. أحنّ إلى رائحتكما، إلى صوتيكما يتناديان بين الشجر، وإلى حديث يمتدّ مع النهار، تتخلّله حركة الأيدي ووقع الحبّات على المفارش. أنظر إلى الزيتون حين يشحّ، فأراه بعين الفقد، وأكاد أصدّق أنّه حزين مثلي، وأنّ للأغصان ذاكرة تعرف مَن غرسها، ومَن سقاها، ومَن كان يرفع يده إليها برفق.

 

تأتي أصوات الناس من الكروم، تحملها ريح الخريف، فأجدني أبحث عن صوتيكما بينها. أرى سُلّمًا مسنودًا إلى شجرة، فيأخذني الحنين إلى أبي، إلى يده تُثبّت السُّلّم، وإلى صوته من بين الأغصان، يحكي عن شجر زرعه واعتنى به، ويفخر بثماره. كان يعرف ما أودعه في الأرض من عمره، ويرى في سخاء الشجر ما يطيب له معه التعب. وأسمعه في ذاكرتي، فأشتهي أن أناديه، أن أرفع رأسي إليه، وأن يجيبني.

ثم أسمع ضحكته، تلك التي كانت تسبق مقالبه، وأحنّ إلى محبّته حين تضيق بها القبلة ويضيق بها الحضن، فيأخذنا بين يديه و«يأكلنا بأسنانه»، ونضحك ونحن نحاول الإفلات. يا أبي، كم أشتاق الآن إلى ما كنت أفرّ منه ضاحكة، إلى يديك تمسكان بي، وإلى وجهي قريبًا من وجهك، وإلى أن أكون ابنتك الصغيرة مرّة أخرى.

ومن وقع الحبّات على المفارش، أعود إلى وقع الحجر في يد أمّي وهي ترصّع الزيتون. أرى يديها، وأكاد أسمع ارتطام الحجر، وأشمّ رائحة زعترها. يأخذني الحنين إلى ساحة بيتها، إلى الحمام الذي يألف المكان وينتظر القوت الذي سخّره الله له على يديها. أتراه يحنّ إليها أيضًا؟ أتراه ظلّ يعود، يلتقط ما يجد، ويلتفت إلى الباب؟

وأنا، يا أمّي، ما زلت أعود إليكِ من كلّ هذه التفاصيل. من رائحة، من صوت، من حبّة زيتون تحت يدي. أعود إلى الليل حين كنتِ تقومين للصلاة،إلى همسكِ بالدعاء، وأنتِ تستودعيننا الله، واحدًا واحدًا. ثم يطلع الصباح، وتتحرّك ملعقة أبي في كأس الشاي، وتنساب حبّات مسبحتكِ بين أصابعكِ، ويأخذ النهار مجراه حتى تبسطي سجّادتكِ لصلاة الضحى. هكذا أذكر البيت، صلاة تتبع صلاة، ودعاء لا ينقطع، ونحن نعيش في دفء ذلك كلّه، ولا نعرف كم سنشتاق إليه.

الآن أستعيد تلك الأصوات واحدًا واحدًا، وأخاف أن يبهت منها شيء في ذاكرتي. أطيل الإصغاء إلى ملعقة في كأس، وأتبع بعيني مسبحةً بين يدين، وأقف أمام شجرة زيتون أكثر ممّا يحتمل العابرون. كيف أشرح لهم أنّني أبحث عنكما؟ أنّ ريح الخريف حين تمرّ بين الأغصان تشلع قلبي، وأنّ موسمًا كاملًا يستطيع أن يعيدني طفلةً تريد أمّها وأباها؟

لم تشتكيا يومًا من تعب الأرض. ليتكما هنا، أراكما تعودان منها، أسمع ما تقولانه عن القطاف، وأجلس قربكما فيما يستريح جسداكما من نهار طويل. ليت لي أن أصبّ لكما الشاي، وأن تبقيا قليلًا، حتى أشبع من صوتيكما.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى