شوقية عروق منصور: وفجأة تخرج صورة مازن من فوهة قناص!

المكان مدينة “الخليل الفلسطينية”، الرصيف المزدحم يحمل فوق بلاطه الخطوات الراكضة، المنتبهة للبلاط المكسر والعربات المحملة بالخضروات والفواكه والألعاب. أصوات الباعة تشق الفضاء وأنا أحاول التفتيش عن زمن استطاع جعل الوجوه محروقة بالصمت، تقاسيمها عبارة عن أكوام من مفاتيح الحيرة وعدم الثقة بالآخرين.

بين أنين التاريخ والحواجز العسكرية اصطدمت بصورة أمامي.. حاولت التراجع لكن وجهه سبقني ووقف أمامي وسمعته يهمس لي: “أنا هنا!!!”

لم أصدق.. “مازن ناجي دعنا” لم أتوقع أن أرى صورته في وسط مدينة الخليل في هذا الشارع المزدحم الذي يكاد يشهق غضباً وعرقاً وأصابعاً تفتش عن أشياء لا وجود لها، المهم أن تفتش الأصابع التي سئمت الصمت والخذلان.

الوفاء المتسلل من العبارات التي رافقت صورة “مازن دعنا” أطلق الشموخ الذي ارتدى سترة الصحافة. ومن خلال الإطار الذي حضن العبارات التي تؤكد على الاعتزاز، كانت صورة “مازن” تشير إلى زمن صار فيه الموقف راية والإصرار ديكتاتورية القرار.

جاء إلى جانب الصورة عبارة كان يرددها مازن:

– “أعرف أن الصورة قد تكلفني حياتي لكني.. لن أتوانى لحظة عن التقاطها…”

وهنا نشكر الجهة التي أصرت على أن تضع الصورة في مكان تركض فيه العيون.

التقيت بالمصور الصحفي “مازن دعنا” في سنوات التسعينات من خلال العمل الصحفي، حيث كان يعمل مراسلاً لعدة صحف فلسطينية محلية، وكان مميزاً في الوصف ودقة معلوماته، وقد حصل على جائزة “حرية الصحافة الدولية عام 2001”. والتقيت به في جامعة النجاح في نابلس في يوم دراسي عن أدب المرأة.

أثناء حديث مع الصديق الكاتب “علي الخليلي” قال لي أن “مازن دعنا” يعمل مصوراً لوكالة “رويترز” وأنه سافر إلى العراق لتغطية الحرب الأمريكية. وكان العمل آنذاك في الوكالات الغربية يُعد انتصاراً للشخصية الفلسطينية، خاصة النهضة الإعلامية الشبابية التي أخذت تحتل المواقع التي تتاح لها رغم أنف الحصار والتهميش.

لكن فوجئت بخبر مقتل “مازن” وانتشار اسمه في نشرات الأخبار، وكان ذلك في 17 آب 2003. ودخلت حكاية مقتله في نفق العبارات الفضفاضة التي تعيد إلى استشهاده الأكاذيب الأمريكية المكررة والأسف المدهون بالضحكات الخفية.

في الفيلم الوثائقي الذي صورته “الجزيرة”، أكد صديقه الذي كان يرافقه “نائل الشيوخي” أن مازن كان يصور دبابة أمريكية قرب سجن “أبو غريب” وكان يحمل إشارة الصحافة، لكن قام أحد الجنود — قناص — بإطلاق الرصاص عليه وأصابه في صدره. وكانت حجة الجيش الأمريكي أن الجندي الذي أطلق الرصاص اعتقد أن “الكاميرا قاذفة صواريخ” — الكذبة جاهزة كالعادة —.

صورة “مازن دعنا” في الشارع الرئيسي في الخليل تصافح الواقع المظلم رغم مرور السنوات على رحيله. الصورة تشير إلى حقيقة تحاول فرض حضورها، فهناك من يحارب الصورة والكلمة. وقافلة الصحفيين الشهداء الذين روت دماؤهم أرض التوثيق وكشف الحقائق يستدعي يومياً التاريخ النائم على حافة الخداع.

قافلة طويلة وأسماء كثيرة؛ قد تخرج صورة “شيرين أبو عاقلة” و”غفران هارون” و”فاطمة حسونة” كنساء كنت أقارن بينهن وبين من يخرجن على الشاشات تحت ما يُسمى “مؤثرات في عالم حرية المرأة”، فأجد نفسي أغطس في ثلج مكسو بالخجل.

وتبرز الآن أمامي بعض الأسماء التي أصبحت أرقاماً موجعة في قائمة شهداء الصحافة الغزية:

حمزة الدحدوح

أنس الشريف

محمد قريقع

حسام شبات

وغيرهم ممن خرجوا من عيون عدسات الكاميرات ونزلوا إلى الشوارع والحارات والبيوت المهدمة والخيام الممزقة والوجوه الجائعة، الشاحبة، الباكية خلال سنوات الإبادة في غزة. وما زالت الصور والأفلام تحمل كل لحظة رسائل القهر والظلم وغياب العدالة، ووحشية الإنسان حين يقرر الدخول إلى الغابات.

صورة الصحفي الشهيد “مازن دعنا” تقف منتصبة على ناصية الشارع في مدينة الخليل، ووجودها يؤكد اعتزاز المسؤولين بابن مدينتهم، وهذه شهادة تُحسب لتاريخهم.

أعرف أن هناك من يمر أمام الصورة وقد لا ينتبه ولا يسأل لمن هذه الصورة، لكنها تبقى رغم السنوات تشير إلى أهمية الصحافة والكاميرا، والدرس السياسي الذي تقدمه في كشف الحقائق التي يحاولون تغطية تفاصيلها.

وقفت أمام الصورة، وأديت التحية لمازن، واختصرت كلماتي بدمعة تحمل عبارة: “لا للنسيان…”!!

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى