د. علي خليل جبارين: من يمسك بالخيوط؟

الأدب مرآة الحياة، وقراءته بعدسة متعددة المجالات تتيح للمرء أن يرى الواقع بوضوح. ففي “هاملت” يظن الممثلون الجوالون الذين يؤدون المسرحية الثانوية “مصيدة الفئران” أنهم يقدمون فنًا من إنتاجهم، غير مدركين أن الأمير هاملت أضاف إلى النص ستة عشر سطرًا ليستدرج الملك كلوديوس إلى كشف ذنبه. وإلى جوارهم رجلا بلاط صغيران يتوهمان القرب من مركز القرار، فإذا بهما أداتان يستعملهما الملك والأمير ثم يتخليان عنهما بسهولة. وبتقنية “المسرحية داخل المسرحية” يكشف شكسبير الهوة بين إحساس المرء بأهميته وحقيقة مكانته الفعلية في المسرحية الكبرى.

ولعل هذه التقنية تلقي ضوءًا خاصًا على انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. فالعرب يشكلون نحو خمس السكان، وقد تكون أصواتهم حاسمة في ترجيح كفة إحدى الكتلتين، غير أن الكتل اليهودية الكبرى تتحفظ على شراكتهم في الائتلاف. وهكذا تبدو أمامنا مسرحية كبرى لها وجهان: وجه خارجي يستعرض الديمقراطية بحملاتها الانتخابية وتأكيدها على حق الاقتراع بوصفه أفضل نظام حكم يضمن الأمن والمساواة في الحقوق والازدهار، ووجه داخلي يعلن صراحة للناخب العربي أن الوزن العددي لأصواته لا يعني بالضرورة مقعدًا في الائتلاف الحاكم. ويؤكد الجدل حول شطب القوائم العربية أن شرعية الحضور نفسها ما زالت موضع خلاف.

أما المسرحية الصغرى فهي الأكثر مأساوية، إذ تنطوي على خصومات عربية عربية تتبادل فيها الأطراف تهم التخوين وعدم الولاء، ويسعى كل طرف إلى إسقاط الآخر متوهمًا أن الانتصار على “الشريك” سيرفعه إلى الخشبة الرئيسية لمسرح الأحداث. وفي غمرة هذا النزاع غير المبرر يُكتب النص في مكان بعيد، بيد لا يراها المتنازعون ووفق حسابات لا تأخذهم في الحسبان. فخصوماتهم لا تخدمهم، بل تغذي المسرحية الكبرى وترهق جمهورًا طال انتظاره للتغيير، فينصرف عنهم خائبًا.

ومع ذلك، ينبغي ألا نحمل تقنية شكسبير أكثر مما تحتمل. فالانتخابات ليست عرضًا تمثيليًا، بل عملية سياسية حقيقية تترتب عليها نتائج قانونية فعلية، إذ تغير تركيبة البرلمان والحكومة وتؤثر في التشريع والميزانيات. وأعضاء الكنيست العرب، على مدى عقدين على الأقل، ليسوا ممثلين في مسرحية ثانوية، بل هم من بين أفضل البرلمانيين عالميًا من حيث المؤهلات العلمية والحضور السياسي. كما أن الأحزاب والقوائم العربية ليست نمطًا واحدًا: فمنها ما يتمسك بالهوية القومية والمساواة، ومنها ما يراهن على المكاسب العملية والتفاوض الائتلافي، ومنها ما يدعو إلى مقاطعة انتخابات الكنيست انطلاقًا من ثوابت دينية. والمواطنون العرب بدورهم ليسوا جمهورًا سلبيًا لامباليًا يجلس أمام مسرح كُتب نصه مسبقًا، ولا ينقصهم الوعي اللازم لاتخاذ القرارات الصائبة ولا القدرة على الحشد والتنظيم من أجل إحداث التغيير الذي يؤثر في مستقبل أبنائهم.

ولكن المأساة الحقيقية تكمن في أن المتخاصمين لا يدركون إلا بعد فوات الأوان أنهم أهدروا وقتهم الثمين في نزاعات هامشية مع من يشاركونهم نفس الهموم. وهنا يفرض السؤال الأهم نفسه بقوة: ألم يكن بإمكاننا أن نصغي إلى بعضنا البعض باحترام ونتشاور بروح الفريق الواحد، فنحول أصواتنا وطاقاتنا إلى قوة حقيقية في وجه المخاطر التي تحدق بنا؟

والله الموفق والمستعان.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى