ب. إبراهيم طه: كبسولتان!

** الكبسولة الثالثة والثمانون (83) النكبة والأحزاب العربيّة
هذه هي الكبسولة الثالثة والأخيرة في مدار النكبة. وكنت قد نشرتها، بصفة أو بأخرى، تعقيبًا على منشور للإعلاميّ المعروف الأستاذ زهير أندراوس.
التوليفة الثلاثيّة في هويّتنا السياسيّة الجمعيّة، القوميّة العربيّة والوطنيّة الفلسطينيّة والمدنيّة الإسرائيليّة على نحو ما طرحته في الكبسولة السابقة، هي الحدّ الأدنى الذي يلتقي عنده الفلسطينيّون في إسرائيل إذا جرّدناهم من أثر الطوائف والعقائد والأجناس والأيديولوجيات والنزعات المختلفة. هذه التوليفة تُحيل إلى النكبة وترددّاتها بالضرورة وتضبط كلّ المواقف والممارسات السياسيّة الممنهجة.
حزب التجمّع مثلًا يريد دولة لكلّ مواطنيها. و”دولة لكلّ مواطنيها” تعني نظريًا إقامة دولة مشتركة بالتوافق لتصحيح آثار النكبة التاريخيّة. التجمّع في طرحه هذا قوميّ تصحيحيّ، يتّجه إلى المسار البشريّ ولا يرى الحلّ في المسار الجغرافيّ/الوطنيّ، لأنّه يؤمن أنّ أيّ تقسيم للوطن لا يُنصف المنكوب وبالتالي لا يحلّ المشكلة. ما يحلّ المشكلة هو إنصاف الإنسان العربيّ الفلسطينيّ بإعادة تعريف الدولة من جديد.
الحزب الشيوعيّ يرى أنّ الخروج من حالة الانتكاب لا يكون إلا بتقسيم جغرافيا الوطن إلى دولتين مستقلّتين. وهو في طرحه هذا وطنيّ تعويضيّ، يؤمن أنّ تقسيم الأرض/الوطن بين الشعبين يضع حدودًا واضحة وثابتة وملزمة لكلّ منهما، ممّا يقلّص مساحة الخلاف مستقبلًا. في حين أنّ فكرة “دولة لكلّ مواطنيها” قد تُفضي إلى سباق ديموجرافيّ عدديّ، بين الفلسطينيّين واليهود، في الدولة المشتركة ما يُبقي الصراع مفتوحًا ويصيّره دمويًا داميًا.
القائمة العربيّة الموحّدة ترى أنّ تخليصنا من همومنا المدنيّة، التي تصنعها إسرائيل نفسها، من شأنه أن “يكفّر” عن النكبة. ما يعني أنّها لا ترى أيّ فائدة عمليّة من الإصرار على الربط بين المركّبين القوميّ والوطنيّ وبين التمييز المدنيّ الذي تمارسه الدولة ضدّنا بوعي محسوب. توجّهُ القائمة العربيّة في طرحها هذا مدنيّ تفكيكيّ، يفكّك الصلة المباشرة بين النكبة وبين الهموم المدنيّة التي تصنعها السياسات الإسرائيليّة حتّى تقايضنا هذه بتلك.
هذه التوجّهات الثلاثة، رغم الفروقات الجوهريّة بينها، تعني أنّ الفلسطينيّين في إسرائيل قد حسموا أمرهم بأن جعلوا الخطاب السياسيّ هو آليّة التعاطي مع النكبة. ومجمل العمل السياسيّ أفرز اتجاهين متوازيين: النظر إلى إسرائيل كدولة فكرة مقابل النظر إليها كفكرة دولة. (1) ودولة الفكرة المغلقة والمنجزة لا يجوز النقاش فيها لأنّها دولة الفكرة الصهيونيّة “المقدّسة”. وهكذا ينبغي القفز عن هذا النقاش والانشغال مباشرة بالمسار المدنيّ. وهذا نهج تتبنّاه القائمة العربيّة الموحّدة. (2) أمّا فكرة الدولة فتعني النظر إلى الدولة نفسها كفكرة مفتوحة على احتمالات التعريف من جديد والتصحيح والتصويب والتعويض. وهذه الاحتمالات هي المدخل لأيّ نضال مدنيّ. وهو نهج يتبنّاه الحزب الشيوعيّ والتجمّع بصرف النظر عن التفاصيل.
** الكبسولة الثانية والثمانون (82) .. التنسيق الأمنيّ بين الهُويّة والبطاقة
هذه هي الكبسولة الثانية التي تتحلّق في مدار النكبة وارتداداتها، وهي تمهيد للكبسولة القادمة.
هويّتي غير مفصولة عن شخصي. وينبغي ألّا تنفصل. هويّتي الحضاريّة والسياسيّة تبدأ، أوّل ما تبدأ، بالتعريف الشخصيّ. اسمي الشخصيّ إبراهيم قاسم المختار طه، ابن نورة وقاسم من كابول رحمهما الله. أحاضر في جامعة إسرائيليّة منذ ستّة وثلاثين عامًا سعيًا إلى رزقي. وهذه السلسة من الأسماء والجغرافيا والتواريخ تكشف هُويّتي الحضاريّة والسياسيّة العامّة، وهي تنهض على ثلاث: القوميّة والوطنيّة والمدنيّة.
(1) القوميّة عربيّة عروبة تظهر في اسمي واسم أمّي وأبي. عروبة تجسّمها لغتي العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم وبها انكتبت آدابي وعلومي وتاريخي. أصونها بقدر ما أستطيع بعروبيّتي وانحيازي إلى لغتي وموروثي الحضاريّ وإرثي الأدبيّ والعلميّ، مثلما أتشيّع لها بكتابتي التي أمارس فيها فعل انتماء.
(2) الوطنيّة فلسطينيّة أراها في كروم التين والزيتون وكروم العنب والصبر المزروعة في كابول. وأعبّر عنها بلكنتي الخاصّة ولهجتي التي أميّزها من بين آلاف اللهجات. وفلسطينيّتي أمارسها في عاداتي وتقاليدي ومأكلي ومشربي. أصونها بقدر ما أستطيع كلّ يوم في بيتي ومع أهلي وجيراني في أفراحهم وأتراحهم وعاداتهم وأصولهم.
(3) المدنيّة إسرائيليّة تكرّسها بصفة يوميّة بطاقةٌ زرقاء أعمل بها في جامعة إسرائيليّة وأذهب إلى البنك ومكاتب الضريبة والتنظيم ومكاتب التأمين. وبها أصوّت للكنيست، وأحترم قوانين الدولة التي لا تحترمني. وهي لذلك كلّه لا تفارق محفظتي. ومن كثرة الأعمال التي تصرّفها البطاقة الزرقاء وتيسّرها قد يُصاب بعضهم بالهلع والقلق على المركّبين السابقين.
القوميّة تاريخ أمّة، تاريخ ناس وشعوب وقبائل وما ينتجونه من حضارة عامّة. والوطنيّة حالة جغرافيّة خاصّة بفئة من الأمّة تصاحبها عادات وتقاليد وأخلاقيّات وسلوكيّات تميّزها. والمدنيّة من مستلزمات الدولة وتوابعها. والدولة هي سلطة مدنيّة، هي نظام حكم. وأوّل أشراط الدولة بطاقةٌ لتصريف الأعمال (وجواز سفر طبعًا، استعماله محدود). قوميّتي ووطنيّتي في حالة صراع سياسيّ عنيف وحادّ مع بطاقتي الزرقاء لأنّها من إفرازات النكبة. والنكبة حقيقة تاريخيّة. وهي ليست موقفًا أو تفسيرًا. كما أنّ دولة إسرائيل التي قامت بالنكبة هي حقيقة واقعة وليست موقفًا أو تفسيرًا. كلّ واحد منّا يحمل في دمه المتدفّق في شرايينه هويّةً أصلانيّة وفي محفظته يحمل بطاقة. العلاقة بين الهويّة والبطاقة هي “تنسيق أمنيّ” يتيح لكلّ الأضداد أن تتفاعل فيما بينها على نحوٍ يؤمّن استمرار العيش البيولوجيّ والفيزيائيّ المشترك بعيدًا عن مرادفات الحبّ وكيميائه.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



