د. رافع يحيى: لماذا لم نخترق السياسة الإسرائيلية؟

يطرح الكثيرون سؤالًا مهمًا ومؤلمًا في آنٍ واحد: لماذا لم ينجح العرب في اختراق السياسة الإسرائيلية بصورة حقيقية رغم عقود طويلة من العمل الحزبي والبرلماني؟
السؤال ليس بسيطًا، والإجابة عنه ليست اتهامًا لطرف واحد، بل محاولة لفهم واقع معقّد ومتداخل.
لا يمكن إنكار أنّ المجتمع العربي في الداخل حقّق إنجازات مهمّة في مجالات التعليم والأكاديميا والطب والقضاء والإدارة المحلية، كما استطاع أن يفرض حضورًا سياسيًا ثابتًا داخل الكنيست. ومع ذلك، بقي الشعور العام أنّ هذا الحضور لم يتحوّل إلى قوّة قادرة على التأثير العميق في صناعة القرار.
أحد الأسباب الأساسية يكمن في الانقسام الداخلي.
لقد تحوّلت الخلافات الحزبية والشخصية أحيانًا إلى معارك استنزفت الطاقات وأضعفت ثقة الناس بالعمل السياسي. فالناس تبحث عن مشروع واضح، لا عن صراعات دائمة.
كما أنّ غياب الرؤية المشتركة شكّل أزمة حقيقية.
فمرة يرتفع الخطاب القومي، ومرة الخطاب المدني، ومرة الخطاب الديني، دون وجود برنامج استراتيجي طويل المدى يحدّد إلى أين نريد الوصول بعد سنوات طويلة.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل طبيعة السياسة الإسرائيلية نفسها، فهي قائمة على توازنات معقّدة وتحالفات متغيّرة، وفيها حساسية كبيرة تجاه الحضور العربي وتأثيره. لذلك بقيت المشاركة العربية محاصرة بسقوف سياسية معيّنة مهما ارتفع عدد المقاعد.
هناك أيضًا مشكلة مرتبطة بثقافتنا السياسية الداخلية.
فنحن غالبًا نتحرك كردّ فعل على الأزمات بدل أن نبادر إلى صناعة مشروع اقتصادي وثقافي وإعلامي مستقل وقوي. المجتمعات الناجحة تعتمد أيضًا، على بناء مؤسسات ومراكز أبحاث وتبني إعلامًا مؤثرًا وشبكات اقتصادية فاعلة.
كما أنّ جزءًا من الأزمة يرتبط بفقدان الثقة.
الكثير من الناس باتوا يؤمنون بأنّ السياسة الإسرائيلية المتطرفة لا تلتزم بالحد الأدنى من أداء الحقوق وفقدوا الأمل بالسياسة كرافعة للتغيير، أو قادرة على التغيير، ولذلك تراجع الحماس الشعبي، واتسعت المسافة بين الشارع والقيادات.
ورغم كل ذلك، لا أؤمن باليأس.
فالاختراق الحقيقي لا يحدث في يوم واحد، ولا يتحقق فقط عبر الكنيست، بل يبدأ من المدرسة، والجامعة، والثقافة، والإعلام، والاقتصاد، والوعي المجتمعي.
وربما يكون دور المثقف والمربّي والكاتب أعمق من دور السياسي أحيانًا، لأنّ بناء الإنسان هو الخطوة الأولى لبناء أي مشروع سياسي ناجح.
إنّ المجتمع الذي ينجح في تنظيم نفسه، واحترام التعددية داخله، والاستثمار في المعرفة والمؤسسات، هو مجتمع قادر في النهاية على فرض حضوره وتأثيره مهما كانت العقبات. وكل حصار بالتأكيد له مفاتيح…
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



