ايناس محاجنة: يعيش البجح على قفا المكسوف!

ليست هذه العبارة مجرّد مثلٍ عابرٍ تتداوله الألسن، بل وصفٌ دقيق لاختلالٍ أخلاقي يتكرر في تفاصيل الحياة كلّ يوم، إذ كثيرًا ما يعتلي الوقحُ المنابر، لا لرجاحة عقله، بل لفرط جرأته، بينما يتوارى صاحب الخُلُق خلف صمته، خشية أن يُساء فهمه أو يُتّهم بما ليس فيه.
فالإنسان المتّزن يُرهقه الضمير قبل الكلمة، ويحسب لأثر حديثه ألف حساب، ويستثقل أن يقتحم مساحة غيره أو يفرض نفسه على أحد. أمّا المتفلّت من الحياء، فيندفع بلا روية، ويطالب بلا استحقاق، ويتقدّم بلا تردّد، حتى يخيّل للناس أنّ الصخب والاندفاع قوّة، وأن كثرة الادّعاء برهان.
وهكذا، يصبح صاحب الوقار في موضع التراجع، لا ضعفًا في قدره، بل لأنّ نفسه تأبى الابتذال، بينما يتقدّم الجريء على حسابه، مستندًا إلى يقينٍ خفيّ بأنّ الطرف الآخر أكثر تهذيبًا من أن يشتبك، وأكثر سموًّا من أن ينحدر إلى مستوى الخصومة الرخيصة.
ولعلّ أخطر ما في الأمر، أنّ هذا الخلل يتكرّر حتى يغدو مألوفًا، فيُؤخذ الهدوء على أنّه عجز، ويُفسَّر الأدب على أنّه هشاشة، ويُساء الظنّ بمن يترفع عن الصغائر، فقط لأنّه لا يُجيد الوقاحة.
غير أنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فالنفوس الرفيعة لا تعجز عن المواجهة، لكنها تترفّع عن الخصومات الدنيئة.
وأصحاب المبادئ لا تنقصهم القدرة على الرد، لكنهم يدركون أنّ بعض المعارك لا تليق بمن يحمل قيمة نفسه في داخله، لا في صوته المرتفع.
ومع ذلك، يبقى من الضروري أن يُدرك الإنسان أنّ التهذيب لا يعني التفريط، وأنّ الرقيّ لا يقتضي التنازل الدائم، وأنّ حفظ المقام لا يكون أبدًا على حساب الكرامة.
فالصمت في موضعٍ يحتاج كلمة حق، ليس نُبلًا دائمًا، بل قد يتحوّل مع الوقت إلى إذنٍ مفتوح للمتجاوزين كي يتمادو أكثر.
إنّ الحياة لا تُنصف دائمًا الأكثر خُلُقًا، بل كثيرًا ما تُفسح الطريق للأكثر جرأة على التعدّي.
ولهذا، لا يكفي أن يكون الإنسان نبيلًا، بل عليه أيضًا أن يعرف كيف يصون حدوده، وكيف يضع المسافة التي تمنع الآخرين من تحويل لطفه إلى سُلّمٍ يعبرون فوقه من أجل تحقيق مكاسبهم على حساب غيرهم.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



