رانية عقل: في مديح الحواس!

** استعادة الأرض من قبضة التجريد.. واستعادة الحواس في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي

لم تكن علاقة الإنسان بالأرض يومًا علاقة عابرة، ولا معرفةً تُكتسب من الكتب وحدها؛ وإنما ألفة طويلة تشكلت بالحواس برائحة الخبز الخارج من تنور الحطب، وبصوت الريح بين الأشجار، وبالقدرة على قراءة الفصول من تبدلات الضوء واختلاف الهواء.

كان الإنسان يعرف عطش الأرض قبل أن تتشقق، ويشعر بحاجة الزرع قبل أن يذبل. وحتى الزمن نفسه لم يكن رقمًا باردًا يُقاس بالساعات، بل إيقاعًا حيًا تضبطه ألوان الشفق، وحركة الطيور العائدة إلى أعشاشها، وتلك النسمة التي تهبط مع آخر النهار لتخفف تعب الكادحين.

كانت الذاكرة تحفظ بخشونة جذوع الزيتون التي تشبه تجاعيد الجدات، وبطعم التين حين يفيض كالعسل في ذروة الصيف. وحتى الريح لم تكن مجرد هواء عابر، بل كان لها صوت وهيبة؛ فنميز إن كانت نسمة رخية، أم ريحًا مثقلة بالمطر، أم حفيفًا خفيفًا يهبط مع الغروب. أما الغسق، فلم يكن مجرد انطفاء للضوء، بل لحظة يتباطأ فيها العالم قليلًا، ويعيد القلب ترتيب نبضه أمام اتساع الكون.

اليوم نعيش زمنًا سريعًا وعابرًا؛ تمر الألوان فوق وجوهنا دون أن تترك أثرًا، ونعبر الفصول داخل غرف متشابهة الضوء والحرارة، حتى انفصل كثير من الناس عن السماء، وصاروا يعرفون الوقت من شاشاتهم لا من تبدلات النهار.

في هذا العالم المتسارع، يبدو الذكاء الاصطناعي قادرًا على معرفة أشياء لا حصر لها؛ يستطيع خلال لحظات أن يتعرف على صورة شجرة، أو يميز أنواع الطيور والنباتات والغيوم، لكنه يقف عاجزًا أمام المعنى. يعرف شكل الورقة، لكنه لا يعرف من زرع الشجرة، ولا من احتمى بظلها، ولا القصص التي قيلت تحت أغصانها.

وربما هنا يكمن الفرق العميق بين المعلومة والحياة؛ فالإنسان لا يسكن الأرض فقط، وإنما تحملها روحه أيضًا: في حواسه، وفي لغته، وفي دعائه القديم، وفي الحنين الذي توقظه رائحة المطر الأولى. ولعل لهذا السبب تبقى بعض الذكريات حيّة رغم مرور السنين؛ لأن الإنسان لا يتذكر بعقله وحده، وإنما بجسده أيضًا. فالجسد يحتفظ بالأماكن، وبالأصوات، وبخشونة الأشياء، وبروائح الطفولة الأولى. ولهذا يمكن لرائحة خبز، أو حفيف شجرة، أو طعم تين قُطف للتو من غصنه، أن يعيد إلى الإنسان سنوات كاملة دفعة واحدة.

أما كثير من أطفال هذا الزمن، فيكبرون داخل ذاكرة سريعة المحو، مجردة من الحواس؛ تمر الصور أمام أعينهم كسراب عابر، دون أن تترك أثرًا في عمق الروح. يجلس الطفل طويلًا أمام الشاشة، بينما العالم الحقيقي يناديه بصمت عصفور يمر قرب النافذة، وضوء يتبدل ببطء فوق الجدران، وريح تحرك الأغصان، ورائحة تراب مبلل بالمطر.

لكن شيئًا من الحواس يخفت بالتدريج، حتى يبدو الإنسان حاضرًا بجسده، وغائبًا عما يدور حوله. والمأساة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في ذلك الانفصال الذي يتسلل إلى أرواحنا؛ حين تصبح الشاشات أقرب إلينا من النوافذ، والعالم الرقمي أعلى صوتًا من صوت الطبيعة، والحياة أسرع من قدرتنا على التأمل. فالأرض لم تكن يومًا مجرد مورد أو مساحة للسكن، وإنما مرآة الروح الأولى، والمكان الذي تشكلت فيه ذاكرتنا، وحواسنا، ومعنى، وجودنا.

ولعل العودة إلى الحواس، في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي، ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لإنقاذ شيء عميق من إنسانيتنا قبل أن يبهت تمامًا؛ محاولة للعودة إلى الأرض بوصفها وطنًا يسكننا، قبل أن نسكنه.

** رانية عقل فنانة تشكيلية وناشطة بيئية من مدينة كفر قرع.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى