نادية كيوان: متورّطون بالحياة..!

ليست الحياةُ دائمًا تلك الحكايةَ التي وعدونا بها.. لا تُشبه الأغاني التي تربّينا عليها، ولا النهاياتِ التي رسمناها بأقلام الطفولة.

الحياةُ أكثرُ قسوةً من أن تمنحَ الجميعَ عدلًا كاملًا، وأكثرُ ازدحامًا من أن تتوقّف عند وجعِ شخصٍ واحد.

ومع ذلك..  هناك أناسٌ يواصلون السير، كأنّ في أرواحهم عنادًا مقدّسًا لا يُهزم.. أناسٌ متورّطون بالحياة رغم كلّ شيء.

هؤلاء لا يعيشون لأنّهم بخير، بل لأنّهم يحاولون ألّا يسقطوا تمامًا.

يستيقظون كلَّ صباحٍ وهم يحملون داخلهم معاركَ لم يسمع بها أحد، ويبتسمون بوجوهٍ مُتقنة، كأنّ القلوب لا تنزف بصمت.

يُربّتون على أرواح الآخرين بينما هم بأمسِّ الحاجة لمن يربّت عليهم.. يُتقنون الإصغاء، لأنّ أحدًا يومًا لم يُصغِ جيدًا لانكساراتهم.

ويُجيدون الاحتواء، لأنّهم يعرفون كيف يبدو السقوط حين لا يجد الإنسان يدًا تُمسكه.

المتورّطون بالحياة ليسوا ضعفاء كما يظنّ البعض.. الضعيف ينسحب باكرًا، أمّا هؤلاء فيبقون… رغم التعب، رغم الخيبة، رغم تراكم الخذلان فوق صدورهم كحجارةٍ رطبة.

يبقون لأنّ في داخلهم شيئًا صغيرًا يرفض الموت؛ طفلًا ما زال يؤمن أنّ العالم قد يصبح أحنّ، وامرأةً تخبّئ هشاشتها خلف قوّتها كي لا ينهار البيت فوق من تحب، ورجلًا يتظاهر بالتماسك لأنّ الجميع اعتاد أن يراه جدارًا لا يتصدّع.

كم هو مرهقٌ أن يكون الإنسان عميقًا في زمنٍ سطحي.. أن يشعر أكثر مما يجب، ويلاحظ أكثر مما يجب، ويتألّم من التفاصيل التي يمرّ فوقها الآخرون ببرودٍ مريع.

العميقون لا يعيشون الحياة بخفّة، بل يغرقون فيها؛ في الكلمات، في النوايا، في الغياب، في نبرة الصوت، في نظرة العين المرتبكة، في الصمت الطويل بعد الخيبة.

ولهذا يتعبون كثيرًا… لأنّهم لا يعرفون كيف يكون القلبُ نصف حيّ. ومع ذلك، هم الذين يصنعون الفرق الحقيقي في هذا العالم.

ليس أصحاب الضجيج، ولا أولئك الذين يتباهون ببطولاتهم على الأرصفة الافتراضية كأنّ الإنسانية إعلان تجاري رخيص. يا له من عصرٍ يحتاج الإنسان فيه إلى تصوير الخير كي يصدّق نفسه.

بل أولئك الذين يُضيئون بصمت.. الذين يمرّون في حياة الآخرين كطمأنينةٍ خفيفة، كنافذةٍ مفتوحة في غرفةٍ مكتومة، كجملةٍ تنقذ شخصًا من هاويةٍ لا يراها أحد.

المتورّطون بالحياة يعرفون أنّ النجاة ليست دائمًا انتصارًا عظيمًا. أحيانًا تكون النجاة أن تنهض من سريرك رغم الحزن. أن تبتسم لطفلك وأنت مكسور. أن تُكمل يومك دون أن تُعلن انهيارك. أن تُسامح نفسك على ضعفها البشري، وأن تؤمن أنّ قلبك، رغم كلّ ما مرّ به، ما زال قادرًا على الحبّ.

لهذا، لا تستهينوا بمن يقاومون بصمت. هناك أشخاصٌ يبدون عاديين جدًا، بينما هم في الحقيقة يخوضون حربًا كاملة داخل صدورهم.

وكلّ ما يريدونه أن يجدوا مكانًا آمنًا لا يضطرون فيه إلى التظاهر بالقوة.

نحنُ متورّطون بالحياة، نعم. لكنّ بعض التورّط نجاة. وبعض القلوب، رغم تعبها، خُلقت لتبقى نورًا في هذا العالم المعتم.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى