رانية عقل: حينما تفرغ الساحات فجأة!

ليست الذاكرة مجرد مستودع للأيام الخوالي، ربما هي المساحة الأخيرة التي نحرس فيها العالم الذي صنعناه. وحين أعود اليوم إلى أعياد الطفولة، لا أعود إلى مناسبة عابرة أو أيام إجازة جميلة، وإنما إلى نظام كامل للحب، وطريقة كاملة لفهم القرب، وبنية اجتماعية كانت تعرف بفطرتها كيف تجعل الناس يلتقون دون أن يحددوا موعداً لذلك.
كان العيد قديماً لا يطرق الباب، كان يدخل دفعة واحدة.. أمي، التي تضرب جذورها بين يعبد، كفين، وميسر، كانت نافذتنا على عائلة كبيرة يصعب عدها. أخوال، أبناء أخوال، أقارب، وأحفاد يتدفقون إلى البيت حتى تصبح الوجوه أكثر من أن تعد، ويصبح البيت نفسه أصغر من أن يحتوي كل هذه الحياة.

ولم تكن طاولة العيد آنذاك تشبه ما نراه اليوم. لم تكن مساحة للتكلف أو استعراضاً للوفرة، ولا طاولة جامدة يخاف الناس الاقتراب منها كي لا يفسدوا ترتيبها. كانت كائناً حياً يتغير باستمرار، يمتلئ، ويفرغ، ثم يمتلئ من جديد.
كنا نؤمن، أنا وأمي، أن فرحة الطفل لا تصنع بورقة نقدية توضع على عجل في جيبه، وإنما بشيء صغير يلمسه بيده، ينتظره أياماً، ويحمله معه طويلاً.
وكان أبي يحمل في ذاكرته أكثر من ثلاثين رحماً موزعين بين البلد وضواحيها. خمس أخوات، عمات، أبناء عم، أبناء خال، وأقارب يتفرعون حتى تبدو شجرة العائلة أكبر من قدرتنا على استيعابها.
كانت صلة الرحم مشروعاً يمتد أياماً كاملة. ننتقل من بيت إلى بيت دون أن نشعر أننا نؤدي واجباً اجتماعياً. كنا نعيش العيد نفسه.
وحتى اليوم، حين أغمض عيني، أرى الساحة تحت الدالية أمام بيت سيدي، المصطبة القديمة، الطبليتين المتجاورتين دون ترتيب مسبق، الدخان المتصاعد من الكانون، وأبي وعمي، بعفوية طفلين، يتمازحان حول أي اللحمتين أطيب، يركضان ويضحكان ويلاحق أحدهما الآخر بقطعة لحم فقط كي يصنعا لنا مزيداً من الضحك.
حتى تنظيف الساحة بعد الطعام لم يكن ينتهي كعمل منزلي. كان يتحول إلى لعبة جماعية مع خرطوم الماء، فنرتدي ملابس العيد متأخرين، بعد أن نكون قد استنفدنا كامل طاقتنا في الفرح. لكن ربما أكثر ما يؤلمني اليوم ليس غياب الأشخاص وحده، وإنما غياب تلك الساعات الأولى من صباح العيد.
في حارة أهلي، لم تكن العلاقات تبنى فقط على أسماء العائلات أو القرابة الضيقة. كان هناك شكل آخر من التماسك، شيء يشبه الفسيفساء أكثر مما يشبه الحمائل.. أبو فنه، عثامنه، زيد، فنادقة، كلش، يحيى.
ما إن تنتهي صلاة العيد حتى تبدأ الأبواب بالفتح. كان الجار هو الزائر الأول، وكانت الحارة كلها تدخل حالة من الحركة الجماعية. نخرج من بيت إلى بيت، ومن حاكورة إلى أخرى، وكأن العيد لا يخص عائلة بعينها، وإنما المكان كله. ربما لم يكن الماضي فردوساً كاملاً. لكنه كان يملك شيئاً نفتقده اليوم، كثافة العلاقة الإنسانية.
اليوم تغير السؤال: لم نعد نسأل من سنزور؟ وإنما إلى أين سنسافر؟
نقول لأنفسنا إننا متعبون، وإن الإجازة قصيرة، وإننا بحاجة إلى تغيير جو. لكن أحياناً يبدو الأمر أعمق من ذلك. ربما لا نهرب نحو السفر. ربما نهرب من مواجهة عيد لم يعد يشبه نفسه.
نهرب من التوترات الصغيرة، ومن الرواسب القديمة، ومن العلاقات التي أصبحت أكثر هشاشة، ومن الفراغ الذي تركه الغياب.
ويصبح الأمر أكثر قسوة حين نلتفت فلا نجد صناع المشهد.
رحلت الأم. ورحل الأب. ورحلت الأخت. ورحل الأخوال. ورحل الأعمام.
تفرغ الساحات فجأة، وتصبح الأصوات التي كانت تملأ الصباح مجرد ذاكرة بعيدة. لكن الفقد لا يقف هنا. هناك فقد آخر أكثر تعقيداً. أقارب في الضفة.صلة رحم تقف عند الحواجز.
وامتداد عائلي كامل أصبح الوصول إليه معركة يومية مع الجغرافيا والسياسة. وحين ينقطع الجسد عن الوصول، يبدأ النسيج نفسه بالتآكل. ولهذا ربما يشعر كثيرون اليوم أن العيد أصبح أثقل. ليس لأنهم يكرهون العيد. وإنما لأن العيد يذكرهم بما كان ممكناً ذات يوم. فالعيد، في جوهره، لم يكن يوماً طعاماً، ولا ملابس، ولا سفراً.. كان طريقة كاملة ليقول الناس لبعضهم: نحن ما زلنا هنا…معاً.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



