البروفيسور إبراهيم طه: الكبسولة الثامنة والثمانون (88).. نصف خيارة؟!

(عفوكم، قيل لي إنّ الفكرة في كبسولة البقدونس المفروم، التي محوتها قبل لحظات، كنت قد نشرتها من قبل بصيغة أو بأخرى!)

***

حين تطلب إليّ أمّ إياس بين الحين والحين أن أشتري، بطريقي من الجامعة، حاجتنا من الخضار والفاكهة أعود بأضعاف ممّا تطلبه. ثمّ أمسك زمام المبادرة وأشتري ما لا يُطلب إليّ أيضًا. هذا ما يحصل معي في كلّ مرّة أزور دكّان الخضار والفاكهة والبقالة والمحمص والملحمة والمسمكة.. وفي كلّ مرة تبدأ طقوس العتاب من جديد “فش محلّ بالبراد والفريزة، وعم بخرب الأكل ومنكبّه بالزبالة!” وفي كلّ مرّة لا أسمع الكلام ولا أتعلّم الدرس! لا يبقى الكلام في رأسي إلا بمقدار مسافة الطريق بين الأذن والأذن.. أعترف بالغلط والخطأ والخطيئة. وأنا أتحمّل وزرها أمام الله والناس!

الإنسان يحمل عاداته على كتفيه أينما حلّ وارتحل. في إقامتنا في بريطانيا في ضواحي لندن كنّا نشتري حاجتنا اليوميّة من الخضار والفاكهة من سوق مدينة “كينغستون” القريبة من قرية “هام”. وصلنا إلى السوق أوّل مرّة وكعادتنا بدأنا نشتري الخضار والفاكهة بلغة الوزن أي بالكيلو ومضاعفاتها. أذكر أوّل مرّة طلبنا 3 كيلو بندورة نظر إليّ البائع نظرة غريبة باستغراب إنجليزيّ نموذجيّ وقال لي: “3 كيلو! هل أنت متأكّد يا رجل؟!” وأنا وقتها استغربتُ استغرابه! وفي الشهر الأول لإقامتنا هناك ذهبنا إلى السوبر ماركت واشترينا حاجتنا الأساسيّة لشهر كامل. وكان من المستحيل نقل الأغراض بالباص فاستأجرنا سيّارة تاكسي “ستيشن”. حين وصل التاكسي ورأى السائق ما يستنّاه قدّام السوبر قال لي بلكنة هنديّة معروفة كما لو كان يقرط جزرة: (Are you running a hotel, man!?) هل تُدير فندقًا يا رجل!؟ فقلت له: “العين تأكل قبل الفم عندنا!” ثمّ تمتمتُ بالعربيّة: “الخمسة بعينين اللي خلّفوك!”

كنت ترى على البسطة ربع شمّامة أو حزّ بطيخ للبيع.. وهذا مألوف عندنا أيضًا. أمّا أن تجد نصف خيارة فهذا غير معقول، حتّى لو كانت الخيارة حقيقة بطول نصف متر! هذا لا يقبله عقل واحد مثلي اعتاد على أن يشقح بطّيخة كاملة من المقثاة له وحده ليأكل اللبّ ويرمي بقيّة البطيّخة للغربان. رأيت بعض الناس في السوق يشترون نصف خيارة وقرنًا واحدًا من الموز وحبّتين من البندورة بالعدد. فأخذت فكرة مفادها أنّ الإنجليزيّ يده ماسكة يقتّر على نفسه وعياله. لكنّنا رأينا العادة نفسها أثناء إقامتنا فيما بعد في السويد وألمانيا أيضًا!

في الشهر الثاني صرنا مثلهم، نشتري حاجتنا اليوميّة بلغة العدد أي بالحبّة ومرادفاتها. وهكذا صار المشي إلى السوق رياضة صباحيّة يوميّة. يحمل كلٌّ منّا، آمال زوجتي وأنا، قرطلّة ونمشي جنب النهر إلى السوق كلّ يوم. سافرنا من كابول مع عقليّة الشراء بلغة الكيلو، وفي بريطانيا صرنا نشتري كلّ شيء بالعدد، بالحبّة، بالقطعة الواحدة، مثلهم، إلّا نصف الخيارة فهذه لم نقدر عليها. في البداية وأنا أشتري التين بلغة الحبّة مثلهم، كنت أتلفّت حولي لئّلا يراني واحد من بلدنا، جاء صدفة إلى السوق، واحد يعرف أنّ عدد التينات في شِكّانة كان يكفي ليُطعم كلّ مدينة “كينغستون” عن بَكرة أبيها! يومها هفا قلبي وشعرت بوخزة خفيفة ودمعت عيني!

وحين رجعنا إلى أرض الوطن رجعت حليمة إلى عادتها القديمة.. وكيف لا ترجع حليمة وزوجها حاتم الطائيّ!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى