مرعي حيادري:بين أصالة الماضي وتحديات الحاضر والوساطة بين الناس… حين تنتصر القيم على الماديات

الوساطة بين الناس وتقليص فجوات الخلاف موهبة فطرية لا تُكتسب بالمال، ولا تُقاس بالشهادات الأكاديمية وحدها، بل تنبع من الحكمة، وسعة الصدر، وحسن الإصغاء، والقدرة على فهم النفوس البشرية..
لقد نشأنا في بيئة تربّت على القيم والأخلاق، وتعلّمنا أن خدمة الناس وإصلاح ذات البين من أعظم الأعمال الإنسانية وأرفعها شأنًا، لذلك اجتهد الكثيرون عبر العقود في بذل قصارى جهدهم لبناء مجتمع متماسك ومستقر، يقوم على الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي..
ومع الأسف، فإن ما يشهده مجتمعنا اليوم من تفشٍّ للعنف واتساع دائرة الخلافات والقطيعة جعل الحاجة إلى رأب الصدع أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فبين المتخاصمين تتراكم الجراح، وتكبر الفجوات، ويصبح العقلاء مطالبين بالتدخل لإعادة جسور الثقة والتفاهم..
ولعلّ من أبرز ما ميّز المجتمع العربي عبر تاريخه اعتماده على منظومة الصلح العشائري والاجتماعي، حيث كان الناس يلجؤون إلى أهل الحكمة والخبرة للفصل في النزاعات. وكان قرار هؤلاء الوسطاء يحظى باحترام الجميع ويلتزم به المتخاصمون التزامًا أخلاقيًا واجتماعيًا يمتد لسنوات طويلة..
واللافت للنظر أن كثيرًا من أولئك الذين برعوا في الوساطة والإصلاح لم يكونوا من أصحاب الشهادات العالية، بل إن بعضهم لم يُكمل المراحل الأولى من التعليم، ومنهم من لم يكن يجيد القراءة والكتابة. ومع ذلك، صنعت منهم تجارب الحياة مدارس قائمة بذاتها في الحكمة وفهم الناس وإدارة الخلافات..
لم تكن دوافعهم مادية، ولم ينتظروا أجرًا أو مكافأة، بل كانوا يتطوعون لوجه الله وخدمة المجتمع، مؤمنين بأن الإصلاح بين الناس رسالة قبل أن يكون مهمة. فتركوا أثرًا طيبًا، وحفظوا روابط اجتماعية كان يمكن أن تنهار لولا جهودهم..
أما اليوم، فقد دخلت التقنية والماديات إلى معظم تفاصيل حياتنا، حتى أصبح كثير من الأعمال والخدمات مرتبطًا بالمقابل المادي. وعلى الرغم من أهمية التطور التكنولوجي وما يقدمه من تسهيلات، فإنه لا يستطيع أن يحل محل الحكمة الإنسانية، ولا أن يعوض دفء الكلمة الصادقة، أو مكانة المصلح الذي يحمل همّ الناس في قلبه..
إن المقارنة بين الماضي والحاضر لا تهدف إلى تمجيد زمن على حساب آخر، بل إلى التذكير بأن المجتمعات لا تبنى بالتكنولوجيا وحدها، ولا تستقر بالمال فقط، وإنما تحتاج إلى منظومة من القيم والأخلاق والرجال والنساء الذين يؤمنون برسالة الإصلاح والتسامح..
فحين تجتمع الحكمة مع العلم، وتلتقي القيم مع التطور، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته وصناعة مستقبله بثقة وأمان..
[اللهم أني كتبت وقرأت وحللت واستنتجت ماهو صادق ومفيد لأهلنا في المجتمع العربي، وان كنت على خطأ فيقوموني..]
“حكمة شعرية”
“”””””””””””””””
إِذَا تَصَالَحَتِ القُلُوبُ تَلَاشَتِ المِحَنُ
وَإِنْ تَبَاعَدَتِ النُّفُوسُ تَكَاثَرَ الوَهَنُ../
فَالخَيْرُ يَبْقَى بِمُصْلِحٍ يَبْذُلُ الهُدَى
لَا يَبْتَغِي أَجْرًا، وَلَكِنْ يَبْتَغِي الحَسَنُ../
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



