ب. إبراهيم طه: الكبسولة الثامنة والثمانون (88).. الحدّ على الزعرورة

كنت شاهدًا على لقاء عفويّ ظريف في طمرة قبل عشرة أيّام أو أكثر.. كان قدّامي ثلاثة رجال، من جيلي تقريبًا، ينتظرون دورهم في المسمكة ويتناقشون في أمر القائمة المشتركة.
وهذا موضوع كلّه مَقْتٌ وقد طلع من مِنخريّ الاثنين من كثرة الحكيِ فيه. تناقشوا على نار خفيفة، مثلما يليق بشيبتهم، وأنا ساكتٌ أسمعُ ولا أتدخّل..
كان بينهم رجل مفتون بفكرة المشتركة يدافع عنها بلسانه ونبره ويديه وكلّ تضاريس وجهه.. قال: “بس قائمة مشتركة بتقدر تحطّ الحدّ على الزعرورة لهاي الحكومة السافلة وزعرانها!”. وكان بينهم رجل مربوع سمحٌ لا يرى أيّ علاقة بين تشكيل المشتركة وزعرورة الحكومة، مثلما فهمت من نقاشه. ولمّا عاف النقاش بحث عن جملة قاضية يحسم بها الجدل ويوقفه، فقال: “أنا خيّا يا أبو خليل قلعت الزعرورة اللي بيني وبين الناس من زمااان!”، ومدّ زمااان بقدر ما يحتاجه المعنى!
لم يلفت انتباهي في هذا النقاش إلا قصّة الزعرورة. والحقيقة ما كنت أعلم علاقة الزعرورة بالموضوع. وكيف أقحمناها في خلافاتنا وصرنا لا نهدّد إلّا بها؟! وبعد حرثة ساعات في مصادري ومراجعي تبيّن لي أنّ اختيار الزعرورة في هذا القول المأثور كان بفضل قدرتها الرمزيّة إلى كلّ سوءةٍ أو لوثةٍ وخراب.
وها هي المسوّغات والقرائن: الفعل “زَعِرَ” في معاجم اللغة مصدره “زَعَرٌ”. وهو يحمل معاني سلبيّة على الإطلاق. من هنا جاء معنى الأزعر والزُّعرور. وهما كلّ رجل سيّئ الخُلُق. ثمّ المثل المعروف، “كِمِل النُّقُل بالزعرورة”، يعني أنّ إضافة الزعرور إلى النَّقْل، من قضام ومكسّرات معتبرة، تضرّ بسُمعة النقل وتقلّل قيمته وقدره.
والزعرورة شجرة برّيّة شوكيّة لم يجدوا فيها خيرًا كثيرًا فلم يروّضوها ولم يزرعوها، كأيّ شجرة معروفة عندنا في المعتمَد الفلّاحيّ. علاوة على أنّ ثمرها صغير جدًّا. ثلاثة أرباع الحبّة نواة، جلدة وعظمة، وهي لذلك لا “تحرز” اللوك وتشغيل الحنك، وينطبق عليها المثل “الميّت لا يحرز العزا”!
وفي الأخير، حبّة الزعرور ليس لها روح، تخرب بسرعة حين تستوي، ولذلك قالوا إنّها لا تصلح للتجارة أيضًا… الزعرورة إذًا ترمز، إمّا بصفة ظنّيّة وإمّا بصفة قطعيّة، إلى كلّ أزعر زُعرور في هذا القول المأثور.
وبعد التقصّي والبحث، فهمت أنّ هذا القول دعوة للتقاضي والتحاكم، وليس للتهديد. فحين نقول: “حَطّ له الحدّ على الزعرورة”، فإنّنا نعني “أقام الحدّ على زَعَرِهِ (زعرنته)”. والحدّ أنواع. ومنه الشرعيّ والقانونيّ والعُرفيّ والأخلاقيّ والمنطقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ..
وسؤالي لأبو خليل: هل هناك حدّ واحد وحيد يتّسع لكلّ زعرورات هذه الحكومة السافلة وزعرنة زعرانها حتّى نُقيمه عليها؟!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



