شوقية عروق منصور: حين تتكلم الجدران في بيت زهران

لا نرفض عالمنا القديم، لأنه الوثيقة والذاكرة والحكاية والرسائل التي تُرسل إلى صفحات التاريخ، وفي الحاضر هناك من يقوم باغتيال العالم القديم سعياً وراء هندسة العصر الحديث، فالماضي بالنسبة له قد يكون عبئاً لأنه يكشف الحقائق ويشير إلى الأكاذيب، لذلك يقوم بتمزيق الصفحات ويقوم بهدم المباني حتى يستطيع دفن كل شيء، ومع الزمن تموت الحكايات ويختفي العمران، لذلك يحاول الإنسان جمع ذاكرته وذكرياته وأدواته وتراثه ووضعها في متحف يحفظ ماضيه، وكما كانوا يقولون: “الذي ليس له ماضٍ ليس له حاضر”، وبين الماضي والحاضر تبقى قراءة التاريخ رهينة بأيدي من يسجلون ويحفظون.
وانتشار المتاحف في العالم ليست فقط العناوين البارزة للسياحة والاهتمام بإقبال السياح، بل هي التأكيد على اعتزاز الدولة بماضيها وقدرتها على الاحتفاظ بتاريخها وذاكرتها وتقديمها للأجيال كصور تنبض بالفخر، وتعمل الدول على بقاء تلك المتاحف مضيئة ومتوهجة إنسانياً وتراثياً وسياحياً، وتتفنن في تجديد التوثيق، كأنها ترسل برقيات إلى باقي الشعوب تؤكد فيها: “أن تاريخنا أفضل”.
من المعروف أن الحروب لا تتم عبر الأسلحة فقط، هناك وراء الكواليس، خلف الأبواب، من يراقب ويسجل ويفرض ويقوم بتزوير الصفحات والعقود والمواثيق، خاصة في زمن الاحتلال والاستعمار والسيطرة بالقوة على تاريخ الدولة والعبث في الصفحات وتلويثها وتشويهها، ولكن في المقابل هناك من يقف ويقرر المواجهة ويحافظ على الجدران التي ما زالت صامدة رغم التدمير والإهمال، تحمل في عمق طينها وجوهاً وأصواتاً تشق الفضاء. وفي المقابل أيضاً هناك من يحاول الوقوف في زمن أعرج، ويصر على الركض بسرعة لعله يلحق باص التغيير ويدفن الماضي.
بين صمود الطين وباص التغيير مسافات تقيسها الشعوب، والشعب الفلسطيني يقيس الطين بمقياس المفاتيح والذاكرة، وأحياناً يركب باص التغيير، ويكون السائق حاملاً راية الانطلاق: “دع الماضي نائماً”.
في مدينة “رام الله”، في البلدة القديمة، قرب ميدان المنارة، “دار زهران”، أو “متحف زهران”، مبنى تاريخي يزيد عمره على 250 عاماً، كان منزلاً لإحدى العائلات العريقة في المدينة، حيث كان جدهم مختاراً وجيهاً، واسمه ما زال محفوراً مزهراً في ذاكرة الأجيال، وقد قرر أحد أبناء العائلة، “زهران زهران”، تحويل المنزل الكبير بطوابقه وأجنحته المتعددة إلى متحف يضم مقتنيات تراثية من أثواب وأدوات منزلية فلسطينية قديمة، إلى جانب لوحات فنية لرسامين فلسطينيين أهدوا المتحف لوحاتهم، مثل “إسماعيل شموط” و”تمام الأكحل”.
من يتأمل الحيطان والأقواس والبلاط والدرج في “بيت زهران” يشعر أنها تهمس، ثم تبكي بحنين، وهي تحكي حكايات الناس الذين كانوا وعاشوا وناموا واستيقظوا على رحيل، وبين الرحيل والرحيل كانت العائلات تبحث عن هدوء يحتضن أحلامهم.
قد يحاول البعض تزييف التاريخ، لكن من رابع المستحيلات تزوير الحجارة والحيطان وروح الغبار المتواجد على الأسقف والمتشبث في الثقوب التي خرقت الحجارة، كأن الغبار يسخر قائلاً: إن التاريخ يجلس مطمئناً، فهناك من يهتم به ويرعاه، عدا عن طريقة البناء التي هي لغة خاصة يتقنها فقط الشعب الفلسطيني، ومثلما قال كاتبنا “غسان كنفاني”: “خيمة عن خيمة تفرق”، نحن نقول: “حيطان عن حيطان تفرق”.
الشاب “زهران زهران” يسير مع الأمل والطموح، ومن أحلامه مستقبلاً أن يقوم بافتتاح الطابق الأعلى، والذي سيكون مكتبة تضم مئات الكتب النادرة التي تتحدث عن فلسطين قبل عام 1948، ويأمل بأن يتحول المتحف إلى عنوان أكبر للمدينة، بحيث يصبح المتحف محطة تاريخية هامة للزائر، مع دعم من الجهات الثقافية، وألا يبقى يصارع الميزانية لوحده في واقع احتلالي يحاول تغيير بوصلة التاريخ.
ولا أدري كيف يمكن لأي جهة فلسطينية، سواءً كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية، ترك هذا البناء القديم بكامل تدفقه التاريخي دون أن تحمله وتضعه على صدر الاهتمام.
نعيش في زمن يسلخون فيه جلودنا، فكيف بالأبنية القديمة التي تتعرض للهدم أو للتشويه والتغيير؟ مع كل هدم نهدم حكايتنا، وتختفي وجوهنا، وسنكتشف يوماً أننا لا نملك إلا البكاء.
وكانت المفاجأة لي أن الباحثة الفلسطينية الدكتورة “ياسمين زهران”، التي عملت خبيرة في منظمة اليونسكو وأسهمت في تأسيس عهد الآثار في جامعة القدس، قد اهتمت بتوثيق الذاكرة الفلسطينية، ولا سيما عن مدينة رام الله، وذلك من خلال كتبها، وأشهرها “رام الله التي كانت”. والكتاب ليس مجرد سرد تاريخي لمدينة رام الله، بل إن الكاتبة “ياسمين زهران” تستعيد الحياة سابقاً كما عاش أهلها، وقد أشارت إلى التحولات الكبرى التي شهدتها مدينة رام الله القديمة قبل النكبة وما تلاها من تغييرات، وأكدت على أهمية الذاكرة بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، وكذلك أثر الانتداب البريطاني وانعكاسات نكبة 1948. لقد وصفت الكاتبة في كتابها العلاقات بين العائلات في رام الله، والتضامن الاجتماعي والسياسي، والمناسبات كالزواج والأعياد والجنائز، والمناهج التعليمية في المدارس، والعادات والتقاليد، ودور التعليم في تشكيل النخبة والوعي، وأبرزت ارتباط الإنسان الفلسطيني بمدينته وبيته وأرضه، وتكريماً لإسهاماتها، أطلقت بلدية رام الله اسمها على أحد شوارع المدينة عام 2017.
ويبقى “بيت زهران”، أو المتحف الذي يحمل بين جدرانه حكايات الناس الذين كانوا، وحيداً في ليل الصمت. وعلى الرصيف المقابل هناك إشارة ضوئية حديثة تقول: “قف”، وتشير بإصبعها الحديدي إلى “دار زهران”.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



