د. ايمان مصاروة: خواطر من هذا الزمان.. دراسة نقدية لكتاب “خواطر من هذا الزمان” للدكتورة نواعم جبارين

** يتناول هذا المقال النقدي لكتاب “خواطر من هذا الزمان” للدكتورة نواعم شبلي – جبارين ابنة مدينة ام الفحم
تدخل الكاتبة من خلال خواطرها في الواقع وإصلاحه، حيث اعتمد المقال النقدي على مقاربة وصفية تحليلية تتتبع البنى الدلالية والخطابية في النصوص، وتقتصر على الخواطر المتاحة في المادة المعتمدة دون إدخال مصادر خارجية. ويقسم المقال تحليله إلى أربعة محاور: “جدلية القيم والواقع، المعرفة وصناعة الوعي، التدرج الإصلاحي من الذات إلى المؤسسة، والقراءة الفنية والخطابية” ويقدم قراءة تقويمية تتناول حدود الكتاب الفنية من مباشرة، ووعظ، وتداخل الأجناس. ويخلص المقال إلى أن الكتاب يقوم على مبدأ التدرج الإصلاحي الذي يبدأ من الداخل ويمتد إلى الخارج! وأن الخاطرة فيه ليست هروبًا من الواقع بل عودة منه إلى الذات بهدف النقد والإصلاح.

الكلمات المفتاحية
الخاطرة الأدبية، الخطاب الإصلاحي، جدلية القيم والواقع، النقد الأدبي، الأخلاق والمجتمع، التدرج الإصلاحي، الأساليب الإنشائية، التناص الديني، المقالة التأملية.
تمهيد
يقدّم كتاب “خواطر من هذا الزمان” للكاتبة د. نواعم جبارين تجربة نثرية غنية تقوم على تأمل الواقع الإنساني والاجتماعي والأخلاقي ومحاورته من الداخل، حيث تنطلق الخاطرة فيه من رغبة في تسجيل انفعال عابر، وتتحول إلى مساحة فكرية يلتقي فيها التأمل والواقع والذات! لذلك يبدو الكتاب أقرب إلى مشروع في الوعي والإصلاح منه إلى مجموعة من الخواطر الوجدانية والإنسانية المبعثرة، خاصة أن تكرار أسئلة: الإنسان والقيم، والأسرة، والوطن، والعمل، والنجاح، والمسؤولية، والسلطة، والعلاقة بالآخر، تمنح النصوص على اختلاف موضوعاتها وأبوابها وحدة فكرية واضحة.
والكتاب ” خواطر من هذا الزمان” يعمل على التدخل في الواقع واصلاحه رغم أنه يقوم بتسجيل الذات فنيًا، ورغم ذلك فإنّ وحدته البنيوية تنبع من تماسك حبكي وترابط فكري من خلال تكرار سؤال محوري واحد: كيف يمكن بناء إنسان أفضل داخل واقع مضطرب؟ ويعتمد المقال في قراءته على المقاربة الوصفية التحليلية التي تتبع البنى الدلالية والخطابية في النصوص خاصة أنه يعتمد على الخواطر المتاحة في المادة المعتمدة من الكتاب دون إدخال أي مصادر خارجية، استجابةً لطبيعة النص المدروس الذي يقوم على الإحالة الذاتية لمرجعيته.
إشكالية الدراسة…
وتنبع أهمية العنوان “خواطر من هذا الزمان” من بنيته الدلالية فالخاطرة مرتبطة بلحظة تأمل ذاتية علمًا أنّ إضافتها إلى “هذا الزمان” تنقلها من دائرة الذات إلى دائرة الواقع المعاش! فالمؤلفة تكتب عن الإنسان في زمن محدد بما يحمله من اضطراب وتحولات وتناقضات والإشارة بـ”هذا” تجعل الزمن حاضرًا وقريبًا وكأن الكتاب شهادة فكرية وأخلاقية على مرحلة تعيشها الكاتبة والقارئ معًا.
وتتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الآتي: كيف يتحول نصٌّ قائم على الخاطرة الذاتية إلى خطاب إصلاحي شامل يتدرج من الذات إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الوطن؟ وما الآليات الفنية والخطابية التي يوظفها الكتاب لتحقيق هذا الانتقال؟ وإلى أي مدى يحتفظ النص بجماليات الخاطرة الأدبية وهو يتحول إلى مقالة تأملية ذات وظيفة نفعية؟
منهج الدراسة وحدودها…
تعتمد هذه الدراسة منهجًا وصفيًا تحليليًا يقوم على القراءة النصية الدقيقة واستنطاق البنى الدلالية الكامنة في النصوص من خلال تتبع الثنائيات الدلالية المتقابلة والمفردات المفتاحية وتحليل الخطاب من زاويتين متكاملتين: مضمون المقولات ولا سيما ثنائية القيم والواقع وآليات تشكلها تعبيريا من خلال الأساليب الانشائية والضمائر والصور والايقاع! ويلتزم المقال حدود المتن المدروس فلا يستعين بمقاربات خارجية أو سياقات تاريخية لا يسندها النص بما يضمن بقاء التحليل منبثقًا من بنيته الداخلية ودلالاته.
جدلية القيم والواقع في بناء الخطاب النقدي…
تكشف قراءة النصوص عن أن الكتاب يقوم على ثنائية مركزية بين الواقع كما هو والواقع كما ينبغي أن يكون، ويظهر أن هناك مسافة بين القيمة والممارسة، وبين المثال والسلوك، وبين الإنسان الذي يُفترض أن يكون والإنسان الذي صنعته الضغوط والمصالح والتنافس والتحولات الاجتماعية.
ومن هذه المسافة يتشكل التوتر الدلالي الذي يقوم عليه الخطاب النقدي في خواطر د. نواعم، خاصة أنها تستدعي القيمة بوصفها معيارًا يقاس به اختلال الواقع وتكشف من خلاله عن المفارقات ، فالمؤلفة جبارين لا تكتفي برصد الخلل من موقع المتفرج بل تتدخل فيه، وتحاكمه، وتقترح في مقابله منظومة قيمية ترى فيها إمكانًا لاستعادة التوازن بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون.
يظهر ذلك منذ الخواطر التي تعالج الحياة بوصفها تجربة قائمة على الصبر والمواجهة وعدم الاستسلام ففي خاطرة: “دع الدنيا تبكي من جبروتك” ينظر إلى باعتباره تجربة تكشف قدرة الإنسان على النهوض، وتتحول الدموع والفشل والفقد إلى محطات في مسار بناء الذات وتتكرر هذه الرؤية بصيغ مختلفة في الكتاب، حيث يتجسد هذا التوتر بوضوح بين الانسان والألم فلا يعود الألم قوة قاهرة للذات بل يتحول إلى اختبار لإرادتها وقدرتها على بناء نفسها لذلك تتجلى جدلية القيم من الواقع إلى قيمة للصمود والنهوض بما يجعل ” القيمة” فعل للواقع وليس انسلاحًا أو انفصالًا عنه!! ويتمثل ذلك في:
واقع مختل… قيمة مقابلة… توتر بينهما… خطاب نقدي يسعى إلى إعادة التوازن…
وهذه الرؤية تأسس لفلسفة يمكن تسميتها بِ “أخلاق المقاومة اليومية”! والمقاومة هنا نفسية وأخلاقية واجتماعية مقاومة لليأس والفشل والحقد والفساد والكسل والاستسلام وفقدان الأمل، ولذلك تكثر الأفعال الإنشائية المحرضة على الحركة مثل النهوض والمضي والعمل والتغيير والتسامح والتعاون، فيصبح الفعل اللغوي نفسه جزءًا من الفكرة التي يريد النص إيصالها للقارئ.
وتتضح هذه الرؤية في خاطرة “لا تقل أنا ضعيف الحفظ” حيث ينتقل الخطاب إلى قضية العلم والذاكرة والإرادة خاصة أنّ الإنسان في منظور الكتاب قادر على تطوير نفسه إذا تحرر من التبرير المسبق لعجزه، والعلم هنا وكما يتضح هو قيمة أخلاقية مرتبطة بالاجتهاد والمثابرة والثقة بالقدرة الإنسانية لذلك تتداخل التربية بالتحفيز ويتحول الخطاب من وصف مشكلة إلى مساءلة طريقة تعامل الإنسان معها.
وتظهر في خاطرة “بداية النهايات” رؤية أخرى للحياة قوامها الوعي بفنائها وتقلباتها فالنجاح والفشل والفرح والحزن أطوار متغيرة بعيدة عن الحالات النهائية، لذلك نجد أن الخاطرة تحاول أن تخفف سلطة اللحظة على الإنسان مما يدعم عدم الإبقاء على أن الانتصار ليس مبررًا للغرور ولا الهزيمة سببًا للانهيار، فتبرز هذه النزعة التأملية في خواطر الكاتبة نواعم حيث يجري تحويل التجربة اليومية إلى حكمة تتجاوز مناسبتها المباشرة.
ويكتسب الموت حضورًا دلاليًا مهمًا في خاطرة “قطة الأمس”، لكنه لا يرد باعتباره واقعة بيولوجية فحسب، وإنما بوصفه سؤالًا يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالحياة. إن استحضار النهاية يدفع إلى مراجعة قيمة الأشياء التي نتنافس من أجلها، ويعيد وضع الطموح والمال والخصومات ضمن منظور أوسع. ولذلك لا يتأسس خطاب الموت هنا على العدمية، وإنما على إعادة اكتشاف قيمة الحياة.
المعرفة وبناء الإنسان: من تحصيل المعلومات إلى صناعة الوعي
ومن أكثر القضايا حضورًا في الكتاب قضية العلم والقراءة والمعرفة، ففي خاطرة “غذاء الروح” تتجاوز القراءة وظيفتها المعرفية المباشرة فلا تعود أداة لتكديس المعلومات بقدر ما تتحول إلى فعل بناء الوعي وتشكيل الإنسان! وتقوم الخاطرة على ثنائية دلالية بين غذاء الجسد وغذاء العقل والروح، وهذا ينقل المعرفة من دائرة الترف الثقافي إلى دائرة الضرورة الإنسانية، فكما يحتاج الجسد إلى ما يضمن بقائه يحتاج بالمقابل العقل والوجدان إلى ما يصوغ ويخرد رؤيتهما للعالم، لذلك ترتبط القراءة في خطاب هذا الوليد ” الكتاب” لفكرة التحول الداخلي بحيث لا تقاس قيمة المعرفة بما يملكه الإنسان من معلومات فقط انما بما يحمله من وعي وتغيير.
ولا تنفصل النزعة المعرفية عن البعد الإنساني لذلك تتكرر مفردات: الرحمة/ والتسامح /والاحترام/ والمحبة/ والعفو/ وحسن المعاملة/ إلى جانب مفردات: العلم/ والعمل/ والنجاح/ في تشابك يربط بين المعرفة والأخلاق ربطًا بنيويًا لا عرضيًا ويتمثل ذلك في:
المعرفة – الوعي – القيمة – السلوك -.
وتتجه الكتابة نحو مساءلة التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يفعله ويتضح ذلك في خاطرة “الازدواجية في الحياة بحاجة إلى إعادة نظر” والازدواجية كما يتضح أزمة أخلاقية واجتماعية تتصل بالفجوة بين الشعارات والممارسة حيث تشكل هذه القضية واحدًا من المفاتيح الأساسية لفهم الكتاب ورسالة الكاتبة جبارين للقارئ فكثير من الخواطر تضع الظاهر في مواجهة الجوهر وتتطابق القيمة المعلنة مع السلوك الملموس في الواقع.
وتتسع الدائرة الأخلاقية في خاطرة “كن شامخًا في تواضعك ومتواضعًا في شموخك” فتبني المؤلفة د. نواعم جبارين معادلة تبدو متناقضة في ظاهرها لكنها عميقة في دلالتها!! فالشموخ الحقيقي لا يعني التعالي! والتواضع لا يعني الضعف! وأجد أن بتلك المعادلة تعيد الخاطرة تعريف القوة! فالقوي هو من يستطيع المحافظة على كرامته من غير أن يسلب الآخرين كرامتهم!
ويعاد النظر في المعايير الشائعة للحكم على الإنجاز فيظهر هذا التصور في خاطرتي “الكيف لا الكم” و”ميزان النجاح” فالنجاح هنا نوعية/ وقيمة/ وأثر/.
ويبرز في “ميزان النجاح” مفهوم محاسبة الذات بوصفه شرطًا للتطور، فالإنسان الناجح لا يحتاج إلى تضخيم صورته أمام الآخرين بقدر حاجته إلى مراجعة عمله وكشف مواطن ضعفه وتحسين أدائه. وتنتقل الخاطرة من الوعظ العام إلى تصور متكامل للنجاح الحقيقي والذي يظهر في الكتاب كعملية داخلية قبل أن يكون اعترافًا خارجيًا، فهو قدرة على تطوير الذات والمحافظة على المرونة والتوازن وعدم تحويل المنافسة إلى عدوان وتكشف هذه الرؤية نزعة واضحة إلى رفض ثقافة المظاهر واستبدالها بثقافة الإنجاز الفعلي.
وتؤسس جبارين للعلاقة بين الداخل والخارج في خاطرة “القلب وعاء اللسان وصائغ عنه” فالكلمة تكشف شيئًا من تكوين الشخص الأخلاقي والوجداني، ويصبح القلب مركزًا للقيمة، بينما يتحول اللسان إلى وسيلة لإظهار ما يستقر فيه ولهذا تحتل الكلمة في الكتاب منزلة أخلاقية فهي قادرة على الإصلاح كما تستطيع الإيذاء.
ويتصل بذلك خطاب “عكار المستقبل” الذي يجعل المستقبل نتيجةً لاختيار الحاضر فالمستقبل تصنعه مراجعة الإنسان لسلوكه وعلاقاته وقراراته، وتستمر ثنائية الداخل والخارج فإصلاح المستقبل يبدأ بإصلاح الذات، وتنقية العلاقات، وتجنب الحقد والعداوة والقول المؤذي.
من الذات إلى المؤسسة والتدرج الإصلاحي…
تشكل الأسرة محورًا أساسيًا آخر، وتظهر خصوصًا في النصوص التي تتناول مسؤولية الآباء والأمهات تجاه الأبناء. فالأسرة في رؤية الكتاب ليست مؤسسة بيولوجية فحسب، بل المدرسة الأولى التي تتشكل فيها الشخصية. ولذلك يرفض الخطاب التربوي أساليب العنف والإحباط والتربية القائمة على العقاب وحده، ويدعو إلى علاقة تقوم على المسؤولية والرحمة والحوار والقدوة.
تكشف هذه النصوص وعيًا بأن إصلاح المجتمع لا يبدأ من البيت فالطفل الذي ينشأ على الاحترام والثقة والمسؤولية يحمل هذه القيم إلى مجتمعه بالمقابل يمكن للخلل التربوي أن يعيد إنتاج العنف والاضطراب خارج الأسرة وبهذا تصبح التربية في الكتاب قضية اجتماعية وليست شأنًا عائليًا خاصًا.
وينتقل الكتاب على مستوى آخر من الفرد والأسرة إلى المجتمع والمؤسسة والسلطة والوطن، ففي خواطر: “الوطن الضائع” و”انتهى أسبوع المرحب” و”الأمانة يا أصحاب المنصب” و”يدا بيد نتعاون معًا” و”نصائح بلدية لبلدي”، يصبح الخطاب أكثر صراحة في نقد الفساد والمحسوبية والوعود الانتخابية والمصلحة الشخصية وسوء استعمال المنصب، حيث تكتسب هذه النصوص أهميتها لأنها تكشف انتقال الخاطرة من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق العامة! فالمشكلة لم تعد مجرد إنسان يكذب أو يحقد أو يتكبر بل اخفاق مؤسسة في أداء مسؤوليتها، وربما مسؤول قد يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازًا لا أمانة، ومجتمع قد يسمح للمحسوبية بأن تحل محل الكفاءة.
ويتحول المنصب في خاطرة “الأمانة يا أصحاب المنصب” إلى اختبار أخلاقي فالسلطة تزيد صاحبها مسؤوليته! وتظهر “الأمانة” بمفهوم واسع يتصل بالعدل ونصرة الضعيف ومقاومة الباطل وعدم الخضوع للمصلحة الذاتية، ويتخذ النص بذلك بعدًا إصلاحيًا واضحًا ينقل المسؤولية من المجال الشخصي إلى المجال العام.
وتقدم خاطرة “يدا بيد نتعاون معًا” التعاون باعتباره بديلًا عن الانقسام والإقصاء، فالمجتمع في هذا التصور لا يمكن أن يتقدم إذا تحولت الاختلافات إلى صراعات تستنزف طاقته، ويدعو النص إلى بناء فضاء مشترك يسمح بتعدد الآراء ويحفظ كرامة الجميع، ويمنح ذلك مفهوم التعاون بعدًا مدنيًا يتجاوز المعنى الأخلاقي البسيط.
وتظهر في خاطرة “نصائح بلدية لبلدي” تظهر نبرة الحكمة الاجتماعية المباشرة، فتدعو إلى الثقة بالنفس والابتعاد عن المديح الزائف والشك والمقارنات واحترام الآخر وضبط الانفعال، وتبدو الخاطرة كأنها تنقل مبادئ إصلاح الفرد إلى المجال الاجتماعي لأن المجتمع المتوازن في النهاية هو حصيلة أفراد قادرين على إدارة اختلافاتهم بوعي كبير، فإن الوطن في الكتاب منظومة علاقات وقيم وعدالة ومسؤولية عدا جغرافيته فإذا انهارت هذه العناصر أصبح الإنسان غريبًا حتى وهو داخل وطنه، وتمنح هذه الفكرة بعض النصوص الاجتماعية والسياسية عمقها فيصبح الاغتراب نتيجة فقدان العدالة والشعور بالمشاركة لا نتيجة البعد المكاني وحده.
قراءة فنية وخطابية
- 1. هيمنة الصوت المباشر وخطاب المخاطب
تتمثل أبرز سمات الكتاب من الناحية الفنية في هيمنة الصوت المباشر للمؤلفة، فهناك حضور قوي للمتكلم الذي ينصح ويسأل ويحذر ويعاتب ويدعو ويستنهض! ويظهر ضمير المخاطب بكثافة وهو ما يجعل القارئ طرفًا داخل النص لا متلقيًا خارجيًا له وهذا التوجّه الخطابي يخلق علاقة مباشرة بين النص والقارئ في الوقت نفسه يحدّ من مساحة التأويل ويقود نحو توجيه المعنى توجيهًا قاطعًا.
- 2. الأساليب الإنشائية والحوار الضمني
تتكرر الأساليب الإنشائية كَ الأمر / والنهي / والاستفهام / والتعجب / والنداء / وهذه الصيغ تضيف للخاطرة الحركة والايقاع والحوار وتكشف في الوقت نفسه عن طبيعة الخطاب الذي يؤثر في المتلقي وتغيير موقفه لا الاكتفاء بوصف الواقع أمامه، ومن الملاحظ أيضًا أنّ الاستفهام البلاغي يحتل موقعًا واضحًا، فالمؤلفة جبارين كثيرًا ما لا تسأل طلبًا لإجابة بل لتحريك وعي القارئ وإجباره على مساءلة موقفه فتصبح الخاطرة نوع من أنواع الحوار الضمني بين المؤلفة والمتلقي.
- 3. اللغة والصور والتقابلات
تقوم لغة الكتاب في معظمها على الوضوح والتواصل أكثر من التعقيد البلاغي فالمؤلفة تختار عبارة قريبة من القارئ وتستخدم الأمثال والحكم والصور المألوفة والمقابلات اللفظية وتستفيد من التضاد بين القوة والضعف، والنجاح والفشل، والحب والكراهية، والأمل واليأس، والظاهر والباطن، والماضي والمستقبل وهذا البناء التقابلي يجعل الفكرة سهلة الالتقاط ويمنحها قوة إيقاعية.
- التناص الديني والحكمة الموروثة
يظهر التناص الديني والحكمة الموروثة في عدد من الخواطر سواء عبر المعاني الدينية أو الأمثال أو التصورات الأخلاقية المستمدة من المرجعية الإيمانية ولا يأتي هذا الحضور منفصلًا عن الحياة اليومية، وإنما يدخل في بناء تصور للإنسان يقوم على مسؤولية الفعل ومحاسبة الذات والأمانة والعفو والرحمة.
- تداخل الأجناسي
يمكن القول أن الكتابة تتحرك بين الخاطرة الأدبية والمقالة التأملية الاجتماعية، فنجد أن بعض النصوص يقترب من الخاطرة بما فيها من تكثيف وجداني وصور وحكم بينما يتسع بعضها الآخر للحجاج والتفسير والنصيحة فيقترب من المقالة القصيرة، ويمثل هذا التداخل الأجناسي سمة بارزة في العمل! ولا تحبس المؤلفة نفسها داخل تعريف صارم للخاطرة وإنما تستخدم الشكل الذي يسمح للفكرة بأن تصل إلى القارئ.
قراءة تقويمية: حدود الكتاب وإشكالاته الفنية
على الرغم من الوحدة الفكرية التي يحققها الكتاب فإن قراءةً نقديةً متأنيةً تكشف عن جملة من الملاحظات التي ينبغي وضعها في سياقها النوعي:
أولًا: المباشرة والنزعة الوعظية: قد يؤدي وضوح الرسالة الأخلاقية في بعض المواضع إلى ارتفاع مستوى المباشرة والتقرير على حساب الإيحاء الأدبي، فحين تعرض القيمة في صيغتها النهائية تضعف مساحة التأويل وتتراجع وظيفة الإيحاء التي تميّز الخطاب الأدبي عن الخطاب التوجيهي المباشر إلا أن هذه المباشرة ينبغي قراءتها في ضوء طبيعة المشروع فالمؤلفة لا تتبنى موقف الكاتب المحايد وإنما تقدم نفسها بوصفها صوتًا يريد التدخل في الواقع وتنبيه الإنسان إلى مواطن الخلل فيه ولذلك يصبح الخطاب الإصلاحي جزءًا من هوية النص لا عيبًا طارئًا عليه.
ثانيًا: تداخل الخاطرة بالمقالة: إن تحول بعض النصوص من الخاطرة الوجدانية المكثفة إلى المقالة التحليلية يخلق عدم تجانس أجناسي داخل الكتاب فبعض الخواطر يحتفظ بكثافة الخاطرة وصورتها البلاغية، بينما ينفتح بعضها الآخر على الشرح والحجاج والإقناع المباشر قد يقرأ هذا كاختيار واعٍ يهدف إلى تكييف الشكل مع وظيفة النص الإصلاحية.
ثالثًا: غلبة التقرير على التصوير: تكثر في الكتاب الصيغ التقريرية المباشرة مثل الأفعال الإنشائية والأوامر والنواهي، وهي صيغ تخدم الوظيفة التأثيرية والتوجيهية، لكنها قد تؤدي إلى توحيد النبرة وتقليل التنوع الإيقاعي، ويفتقر بعض النصوص إلى التعدد الصوتي الذي قد يثري التجربة فنيًا وإن كان هذا التوحيد متسقًا مع طبيعة الخطاب الإصلاحي ذي الصوت الواحد.
رابعًا: محدودية الفضاء التخييلي: ينطلق الكتاب من الواقع اليومي المباشر مما يمنحه قربه من القارئ وفاعليته التأثيرية في الوقت الذي فيه يحدّ من الفضاء التخييلي والرمزي الذي قد يمنح النص أبعادًا جمالية أعمق، فالصور المستخدمة مألوفة والمقابلات قريبة، وهو ما يخدم وضوح الفكرة لكنه يقلل من كثافة التجربة الجمالية.

خاتمة ونتائج…
عند جمع هذه الخيوط تتضح الوحدة العميقة لكتاب د. نواعم جبارين فالموضوعات تبدو في ظاهرها متعددة كَ النجاح والفشل، التربية، العلم، القراءة، الأخلاق، القلب واللسان، المستقبل، المجتمع، الوطن، الانتخابات، المسؤولية والمنصب ألخ لكنها في الحقيقة تعود إلى سؤال واحد هو: كيف يمكن بناء إنسان أفضل داخل واقع مضطرب؟ فالكتاب يبدأ بالإنسان ويعود إليه وإذا تحدث عن الأسرة فلأنها تصنع الإنسان! وأما إن تطرق للعلم فلأنه يرتقي بالإنسان، وكذلك إذا ذكر الأخلاق فلأنها تضبط علاقته بغيره، وإذا انتقد المسؤول فلأن السلطة ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، وإذا دعا إلى التعاون فلأن الوطن لا يبنى إلا بالإنسان!!!
نتائج وتوصيات
- إن البنية الفكرية الأعمق لـ”خواطر من هذا الزمان” تقوم على مبدأ التدرج الإصلاحي: الإصلاح يبدأ من الداخل ثم يمتد إلى الخارج، فالقلب يصلح اللسان، ومحاسبة الذات تصلح العمل، والتربية تصلح الأسرة، والمعرفة تصلح العقل، والتعاون يصلح المجتمع، والأمانة تصلح المؤسسة، والعدالة تحفظ الوطن.
- إن الخاطرة في الكتاب ليست هروبًا من الواقع إلى الذات انما عودة من الذات إلى الواقع، فالمؤلفة جبارين تتأمل لكي تنتقد، وتنتقد لكي تقترح، وتقترح لأنها تؤمن بإمكان التغيير! ولهذا تظل نبرة الأمل حاضرة حتى عندما يشتد النقد، فلا معنى للنصيحة أصلًا إذا كان الإنسان غير قابل للإصلاح.
- إن الكتاب يشكل مرآة نقدية لزمنه ونداءً أخلاقيًا إلى إنسانه فهو يرصد خلل العلاقات واضطراب المعايير ومظاهر الفساد والتعصب واليأس والأنانية، لكنه في المقابل يضع أمام القارئ منظومة مضادة قوامها العلم والعمل والتواضع والمحبة والتسامح والأمانة والعدل والتعاون ومراجعة الذات.
- إن دلالة عنوان “خواطر من هذا الزمان” تتجاوز حدود التسمية فهذه النصوص ليست خواطر عن الزمان بقدر ما هي خواطر في مواجهة اختلالاته إنها محاولة لحماية الإنسان من أن يصبح صورة أخرى للأزمة التي ينتقدها.
- إن الرسالة الأعمق التي تنتظم في الكتاب: أن تغيير الأزمنة الكبيرة قد يبدأ من تغييرات صغيرة داخل الإنسان نفسه، وأن إصلاح المجتمع لا يتحقق بالشعارات وحدها بل بإنسان يصلح قلبه وكلمته وعمله وعلاقته بالآخر ثم يحمل هذه القيم من ذاته إلى أسرته ومن أسرته إلى مجتمعه ومن مجتمعه إلى وطنه.
- إن الكتاب يتحرك في مساحة فنية مزدوجة بين الخاطرة الأدبية والمقالة التأملية وأن وضوح رسالته الأخلاقية وغلبة التقرير على الإيحاء ليس عيبًا فنيًا بقدر ما هو انعكاس لطبيعة المشروع الإصلاحي الذي يتبناه والذي يجعل من الفاعلية التأثيرية معيارًا للنجاح الفني بقدر ما يجعل من الجمال البلاغي أداة في خدمة الفكرة لا غاية في ذاتها.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



