د. علي خليل جبارين: أعمدة التماسك المجتمعي

قراءة تحليلية لواقع مجتمعنا تبيّن أن هناك إيقاعًا متسارعًا، وطغيانًا ماديًا غير مسبوق، وعلاقات افتراضية سطحية وعابرة، وفجوة تتسع بين الأجيال، وقطيعة متزايدة بين الحاضر والماضي، ومستقبلًا تكتنفه الضبابية جراء واقع سياسي مربك وأوضاع اقتصادية واجتماعية متقلبة.

والسؤال الصعب: هل ما زال بالإمكان الحديث عن مجتمع، ولو بالحد الأدنى من التعريف التقليدي للمجتمعات التي عايشناها أو تعلمنا عنها؟ وإن كان ذلك ممكنًا، فكيف نحققه ونضمن استدامته؟

إذا كنا جادين في الإجابة عن السؤالين أعلاه، فعلينا أن نستحضر ما يلي: يحق للفرد أن يفكر وينتقد ويدعو إلى الإصلاح والتغيير، لكن لا يجوز له أن يجعل قناعاته الشخصية المعيار الوحيد للصواب والخطأ، وعليه أن يدرك أن كلماته ومواقفه تترك أثرًا في الآخرين. فالاختلاف سنة بشرية وضرورة للتطور، لكن الخطر يكمن في تحوله إلى خلاف مستعصٍ ينتهي بإلغاء الآخر أو الوصاية عليه.

لا أحد يملك الحقيقة المطلقة؛ فبالحوار يتعلم المخطئ، ويزداد العالم علمًا، ومن ظن أنه لا يخطئ عزل نفسه عن مجتمعه. لذلك، فالسؤال الناضج ليس: «هل أستطيع أن أقول ما أشاء؟» فحسب، بل: «ما وقع كلامي على الآخرين، وما النفع الحقيقي الذي يحققه للمجتمع؟».

كما علينا أن ندرك أن تماسك أي مجتمع واستدامته لا يتحققان إلا بقيامه على قواعد ثابتة، أهمها: الثقة، والاحترام، والإرادة، والعزيمة.

فالثقة هي المادة اللاصقة القائمة على النزاهة والمصداقية والمسؤولية؛ تبدأ بالثقة بالله، ثم بالنفس بلا غرور ولا خنوع، ثم بالآخرين. تُبنى عبر السنين بالمواقف الصادقة، لكنها قد تُهدم في لحظة بتصرف طائش أو غير مسؤول.

أما الاحترام، فينطلق من قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، فاحترام الإنسان نابع من إنسانيته، لا من خوف أو طمع أو أي اعتبار مادي آخر. وهو يقتضي أن نختلف دون أن يهين بعضنا بعضًا أو يتعالى عليه، وأن يُغرس منذ الصغر من خلال ثقافة الإصغاء، وخطاب أسري واضح تسوده المحبة والانسجام بين الأب والأم.

وأما الإرادة والعزيمة، فالإرادة تحدد الهدف وهي الدافع إلى تحقيقه، في حين أن العزيمة هي القوة التي تمضي به رغم العقبات حتى يتحقق. ويكتمل المشهد حين تقترن الإرادة والعزيمة بالحكمة والقدرة على مراجعة الذات.

وخلاصة القول إن التغيير المسؤول يبدأ بالفهم والنقد الواعي الذي يحقق الثقة والاحترام، ويتعزز بالتمييز بين ما يستحق الإصلاح وما يستحق الحماية، لا بهدم كل ما سبق أو التمسك به دون وعي.

ويتطلب تحقيق ذلك عزيمة جماعية لترسيخ هذه القيم في مناهجنا وبيوتنا ومؤسساتنا وبين قياداتنا. فالحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأولى علامات الحكمة أن نترك في قناعاتنا مساحة لاحتمال الخطأ.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى