د. نائلة تلس محاجنة: الأمان تحت أسماء مستعارة

حين ننطق بكلمة الأمان، لا يبدو أننا نستحضر معنى مستقرًا بقدر ما نلامس شقًّا خفيًا في التجربة الإنسانية. فكأن الكلمة لا تأتي لتعلن الامتلاء، بل لتشير إلى موضع النقص، ولا تُستدعى لأن الشيء مكتمل، بل لأن توازنه تعرّض للاهتزاز. ومن هنا تنفتح معضلة دلالية دقيقة: فبعض الكلمات لا تولد من وفرة التجربة، بل من تصدّعها؛ لا من حضور الشيء في صفائه، بل من ارتباكه في الوجدان. لهذا لا تبدو كلمة الأمان كلمة محايدة، لأنها لا تُقال غالبًا في لحظة السكينة الكاملة، بل في اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالشعور بأن شيئًا ما لم يعد ثابتًا كما كان، وأن ما كان بديهيًا في الأمس صار اليوم موضع سؤال. فكأن اللغة، في مثل هذه اللحظات، لا تتجه إلى الأشياء وهي في تمامها، بل إلى ما تصدّع منها؛ إذ لا يحتاج المكتمل إلى كثير من النداء، بينما يفرض المختلّ اسمه على الوعي إلحاحًا، كأن التسمية هنا ليست ترفًا تعبيريًا، بل أثرًا أوليًا للاهتزاز نفسه.

إن غياب الأمان لا يعني دائمًا حضور الخطر بصورة صريحة، بل قد يبدأ قبل ذلك بكثير، في هيئة دقيقة ومراوغة: تراجع الثقة، اختلال الاطمئنان، والإحساس بأن العالم لم يعد يستجيب للذات بقدر ما كان يستجيب من قبل. هنا لا يكون الإنسان مهددًا بالضرورة، لكنه يغدو أقل استقرارًا من الداخل؛ كأن العلاقة بينه وبين المكان، أو بينه وبين الآخر، أو حتى بينه وبين نفسه، قد فقدت شيئًا من صلابتها القديمة.

ومن هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، تنشأ الحاجة إلى التسمية. فالكلمة لا تأتي فقط لتصف الحالة، بل لتمنحها حدًّا يمكن احتماله؛ لأن ما لا يُسمّى يبقى أكثر فوضى، وأكثر قدرة على التسرّب إلى النفس بوصفه خوفًا بلا شكل واضح. لذلك لا يُعاش غياب الأمان دائمًا بوصفه حدثًا صاخبًا، بل بوصفه مناخًا خافتًا يهبط على الأشياء جميعًا: على اللغة، وعلى نظرة الإنسان إلى المكان، وعلى طريقته في تفسير الإشارات الصغيرة من حوله. إنه لا يكسر العالم دفعة واحدة، بل يبدّل ملمسه الداخلي، حتى تصبح أكثر التفاصيل العادية قابلة لأن تُقرأ بوصفها نذرًا لا علامات حياد.

أما الأمن، فيحيل غالبًا إلى البنية الخارجية التي تضمن حدًّا أدنى من الحماية والنظام وغياب التهديد؛ أي إلى الشروط التي تجعل الحياة ممكنة دون خوف دائم من الانهيار أو الاعتداء أو الفقد. لكن الأمان أعمق من ذلك وأكثر هشاشة، لأنه لا يُقاس فقط بوجود الحماية، بل بإحساس الذات بها، وقدرتها على تصديقها والاتكاء عليها.

قد يوجد الأمن بوصفه نظامًا أو قانونًا أو ترتيبًا اجتماعيًا، ومع ذلك يغيب الأمان بوصفه شعورًا. وقد يحدث العكس، على نحو نسبي، حين يعثر الإنسان على لحظة أمان عاطفي داخل علاقة، أو كلمة، أو حضن، حتى في عالم لا يمنحه أمنًا مكتملًا.

وهنا تتكشف المفارقة: الأمن يخصّ شروط الواقع، أما الأمان فيخصّ طريقة عبور هذا الواقع إلى الداخل. ومن هنا لا يكون الفرق بينهما فرقًا في الدرجة فقط، بل في طبيعة الوجود ذاته: فالأمن يمكن أن يُرى في الترتيب، وفي القانون، وفي انتظام الحدود، أما الأمان فلا يُدرك إلا حين يتحول هذا النظام الخارجي إلى قابلية داخلية على السكون. الأمن يهيئ الشروط، لكن الأمان يختبر صدقها في النفس. ولهذا قد يعيش الإنسان داخل فضاء محروس من الخارج، من غير أن يشعر أن روحه قد أغلقت باب الخوف.

لذلك فإن غياب الأمن يربك الوجود من خارجه، بينما غياب الأمان يربكه من داخله. الأول يهدد الجسد والمسار والحياة اليومية، والثاني يهدد المعنى والثقة وإمكانية الاستناد النفسي إلى العالم. وعندما يجتمع الغيابان معًا، لا يفقد الإنسان الحماية فقط، بل يفقد أيضًا قدرته على تأويل ما يحدث له بوصفه قابلًا للفهم أو للاحتواء. عندئذ لا تعود الكلمة مجرد أداة وصف، بل تتحول إلى محاولة ترميم؛ كأن الذات، وهي تنطق بـ الأمان، لا تشير إلى شيء تملكه، بل إلى شيء تبحث عنه، أو تتذكره، أو تخشى أن يكون قد انسحب منها بصمت.

عند هذه النقطة بالذات، تكفّ الكلمة عن أن تكون اسمًا محايدًا لشيء معروف، وتغدو موضع تفاوض بين الذات وتجربتها؛ فهي لا تستحضر مدلولًا ثابتًا بقدر ما تستدعي ما انكسر من العلاقة بين الإنسان والعالم، ثم تحاول أن تمنحه شكلًا لغويًا يخفف من فوضاه.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تكتسب كلمة الأمان هذه الكثافة العاطفية. فهي، من منظور دلالي، لا تعمل بوصفها علامة معجمية محايدة تشير إلى حالة مكتملة، بل بوصفها كلمة تستدعي إطارًا كاملًا من الهشاشة والحماية والتهديد والرغبة في الاحتواء. أي أن معناها لا ينحصر فيما تدل عليه مباشرة، بل يمتد إلى ما تفتحه حولها من مشاهد خبراتية، وذاكرات وجدانية، واحتمالات كامنة. ولهذا لا تنبع كثافتها العاطفية من بنيتها اللفظية وحدها، بل من قدرتها على حمل شبكة من الإيحاءات التي تتجاوز المعنى المفهومي الخالص.

وفي هذا المستوى، لا تعود الكلمة مجرد وصف لحالة نفسية، بل تصبح فعلًا رمزيًا يحاول إعادة ترتيبها، أو على الأقل جعلها قابلة للنطق والاحتمال. لذلك قد لا يكون تكرار كلمة الأمان شهادة على حضوره بقدر ما هو علامة على أن الوعي صار يحيط غيابه بمزيد من التسمية؛ وكأن الذات، كلما تعذر عليها تثبيت الطمأنينة في الواقع، كثّفت حضورها في اللغة بوصفها أثرًا، وطلبًا، ومحاولة ترميم في آن واحد.

لكن المسألة لا تقف عند حدود الكلمة ذاتها، بل تمتد إلى الفم الذي ينطق بها، واليد التي تترجمها، والفضاء الكياني الذي يختبر صدقها. فالأمان لا يتولد من اللفظ وحده، ولا من موقع المتكلم وحده، بل من ذلك الخيط الدقيق الذي يصل القول بالفعل، ويمنح العبارة لحمها الإنساني بعد أن تكون مجرد صوت.

ليست عبارة “أنت في أمان” جملة متكافئة في كل الأفواه؛ فقد تخرج من صوت موثوق، وتجد ما يسندها في السلوك، فتغدو كأنها سقف يهبط برفق فوق ارتجاف الداخل، أو بابًا يُغلق في وجه الخوف لا في وجه صاحبه. وقد تصدر، في المقابل، عن سلطة لا تصغي، أو عن علاقة تخونها الأفعال، فتتحول إلى ستار لغوي رقيق يخفي التهديد بدل أن يرفعه، وإلى طمأنة شكلية لا تحتضن الخوف بقدر ما تدفعه إلى مزيد من الصمت. عندئذ لا تكون قيمة العبارة فيما تعلنه فحسب، بل فيما تخلقه حولها من شروط تجعل الطمأنينة قابلة لأن تُعاش لا أن تُقال فقط. وهكذا لا يُبنى الأمان بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تمنح الكلمات عظامها، وتكسبها حقّها في التصديق.

غير أن المعضلة تبلغ ذروتها حين لا يُعرض الأمان بوصفه علاقة تُبنى، بل يُفرض بوصفه نظامًا ينبغي الامتثال له. هنا تدخل القوة لا لترافق الطمأنينة، بل لتحتلّ اسمها؛ فيُعاد تعريف الأمان لا باعتباره سكونًا مشروعًا في الداخل، بل باعتباره انضباطًا في الظاهر، وصمتًا لا يربك المشهد، وامتثالًا لا يعترض على الشروط التي أُنتج تحتها.

وفي عالم من التطفيف، لا يكون النقص في الأشياء وحدها، بل في المعاني أيضًا: يُطفَّف في العدل، وفي الاعتراف، وفي الحق في الخوف نفسه. عندئذ لا تُستخدم القوة لإزالة التهديد بقدر ما تُستخدم لإعادة ترتيب ظهوره، بحيث يبدو الواقع أقلّ خطرًا في اللغة مما هو عليه في التجربة. وهكذا قد يُفرَض الأمن بوصفه ترتيبًا خارجيًا، بينما يظل الأمان غائبًا بوصفه قدرة داخلية على التصديق؛ كأن السلطة، حين تعجز عن مداواة الهشاشة، تكتفي بإحكام الغطاء فوقها، وتسمّي ذلك طمأنينة.

وعند هذه العتبة بالذات، لا تعود اللغة وسيلةً لاحتواء التجربة، بل تبدأ بالتحول إلى جهازٍ ينظّمها ويضبط حدودها. فهي لا تكتفي، تحت سلطة القوة، بوصف الخوف، بل تتدخل في إعادة تسميته، وفي تقرير الاسم الذي يجوز له أن يظهر به في المجال العام. عندئذ لا يُقال للخائف ما يشعر به بقدر ما يُملى عليه كيف ينبغي أن يسمّيه: فيُخفَّف الرعب إلى “قلق”، ويُعاد تقديم القهر في هيئة “ضرورة”، ويُسمّى الصمت “اتزانًا”، ويُطلب من الامتثال أن يمرّ في اللغة بوصفه “تعاونًا” أو “حفاظًا على الاستقرار”.

وهنا لا تكون إعادة التسمية فعلًا بريئًا، لأنها لا تنقل المعنى من لفظ إلى لفظ فقط، بل تنقله من حقل الاعتراف إلى حقل الضبط، ومن صدق التجربة إلى قابلية إدارتها. وبهذا تكفّ الكلمات عن أن تكون مأوى للهشاشة، وتغدو قوالب تُهذِّب الانفعال، وتحدّد ما يجوز الشعور به، وما يجوز قوله عنه، وما ينبغي دفنه تحت أسماء أقل إزعاجًا للمشهد. هكذا لا تُنتج السلطة طمأنينة حقيقية، بل تنتج قاموسًا يبدو فيه الخوف أقلَّ فداحة لأنه أُعيدت صياغته، لا لأنه زال فعلًا.

ولعل أخطر ما يترتب على هذا التحويل القسري للغة، أنه لا يسلب الإنسان حقه في التعبير عن خوفه فحسب، بل يدفعه إلى أحياز داخلية أكثر التباسًا. فالشعور الذي لا يُسمح له باسمه الكامل لا يختفي، بل يبقى حاضرًا في الداخل على هيئة ارتباك لا يجد صورته الدقيقة في القول. عندئذ لا يغترب الإنسان بالضرورة عن نفسه دفعة واحدة، لكنه يفقد شيئًا من صفاء العلاقة بين ما يعيشه وما يستطيع الاعتراف به؛ فيصبح الخوف تجربة تُحَسّ بوضوح، وتُقال بنقص، ويغدو الانفعال معلّقًا بين ما يضغط في الداخل وما لا يجد في اللغة حقَّه الكامل في الظهور. ومن هنا تنشأ منطقة رمادية لا يكون فيها الصمت صمتًا خالصًا، ولا التعبير تعبيرًا مكتملًا، بل شكلًا من أشكال العبور المشوّش بين الإحساس واسمِه. وهكذا لا تكون خطورة القوة في أنها تمنع الكلام فقط، بل في أنها تُربك الصلة الدقيقة بين الشعور وصورته اللغوية، بحيث يبقى الإنسان حاضرًا في تجربته، من غير أن يكون قادرًا دائمًا على امتلاكها بالاسم الذي يطابقها.

لذلك لا تبدأ استعادة الأمان من انطفاء الخوف، بل من اللحظة التي يكفّ فيها الخوف عن العيش تحت أسماء مستعارة، وعن التنقل في الوعي كضيف خفيّ لا يُستقبل باسمه. فحين يُردّ للإنسان اسم ما يرتجف فيه، لا يبرأ فورا، لكنه يتوقف عن التبعثر في عتمة لا ملامح لها، ويبدأ بالخروج من تلك الزاوية الملتبسة التي يبقى فيها الشعور حيا، فيما يظل اسمه مطرودا من اللغة. ذلك أن الجرح الذي يُسمّى لا يلتئم بالضرورة، لكنه يكف عن النزف في الخفاء، ويخرج من ذلك الالتباس الذي يجعل الألم حاضرًا في الداخل، متعذرًا على الظهور بوضوح في القول.

عندئذ لا تصير اللغة خلاصًا، بل تتخلى عن دورها في التخفيف الكاذب، وتستعيد شرفها بوصفها موضع اعتراف لا قناعًا للضبط. وربما كان هذا هو الحد الأدنى الذي يبدأ منه الأمان: لا أن يزول كل ما يخيفنا، بل ألا نُجبَر على خيانة خوفنا بلغة أخف من حقيقته، ولا على إيداع رجفتنا في كلمات لا تشبه دلالاتها.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى