نادية كيوان: “ما تبقّى من الإنسان… عالقٌ بين الحديد والصمت”

هذه ليست حاويةً من معدنٍ صدئ…
هذه مرآة.
مرآةٌ تُرينا إلى أي حدٍّ يمكن للإنسان أن ينكمش، لا في جسده فقط… بل في قيمته أيضًا.
أربعون رجلًا…
ليسوا أرقامًا، لكنهم اضطرّوا أن يتصرّفوا كأرقام.
أن يختفوا، أن يذوبوا، أن يُقنِعوا أنفسهم بأن النجاة تستحق هذا القدر من الإهانة.
أن يطووا ظهورهم كأنها أوراق مهملة،
ويحبسوا أنفاسهم… ليس خوفًا من الموت، بل خوفًا من أن يُعادوا إليه.
أيُّ عالمٍ هذا الذي يُجبر الأب أن يُخبّئ أبوّته؟
أن يدخل صندوقًا ضيّقًا، وهو الذي كان يومًا حضنًا واسعًا؟
أيُّ زمنٍ هذا الذي يُصبح فيه السعي خلف لقمة العيش مغامرةً أقرب إلى الانتحار منها إلى الحياة؟
لم يكونوا يهربون من وطنٍ فقط…
كانوا يهربون من فكرة أن يموتوا وهم واقفون بلا جدوى.
فاختاروا أن ينجوا… ولو زحفًا.
لكن السؤال الذي يطرق الرأس كالمطر الثقيل:
هل النجاة بهذا الشكل… نجاة فعلًا؟
أم أنها تأجيلٌ طويلٌ لموتٍ أكثر هدوءًا؟
نحن لا نرى في تلك الحاوية رجالًا فقط،
نرى انهيارًا بطيئًا لفكرة الكرامة.
نرى كيف يمكن للجوع أن يُقنع الإنسان أن يفاوض على نفسه،
أن يقبل بأن يُعامل كشيءٍ… فقط ليبقى حيًّا.
والأقسى من كل ذلك…
أننا لم نعد نندهش.
مرّت القصة علينا كما تمرّ الأخبار العادية،
قرأناها، تألمنا قليلًا… ثم أكملنا يومنا كأن شيئًا لم يحدث.
وهنا، بالضبط، تكمن الكارثة الحقيقية.
ليس في الحاوية…
بل في القلوب التي لم تعد ترتجف كما يجب.
لأن الإنسان، حين يعتاد رؤية الإنسان وهو يُسحق…
يكون قد خسر شيئًا لا يُعوّض،
حتى لو بقي حيًّا.
وهؤلاء الأربعون…
لم يكونوا فقط يبحثون عن عمل،
كانوا يبحثون عن فرصةٍ أخيرة
ليثبتوا أن في هذا العالم مكانًا…
لا يُضطر فيه الإنسان
أن يختبئ من الحياة
كي يعيش.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com


