الكاتب الفلسطيني رائد عمر: حين خسرت المدارس مربيها!

لم يكن المعلم يوما مجرد ناقل معرفة بل كان حامل رسالة وصانع وعي وباني إنسان.
 كان ينظر إليه بوصفه مربيا قبل أن يكون معلما يزرع القيم كما يزرع المعرفة ويصوغ الشخصية كما يشرح الدرس لكن المشهد اليوم تغير بشكل مقلق فاصبح المعلم يشرح…دون أن يربي والطالب يتعلم دون أن يهتدي.
فصفة المربي لم تسقط بقرار رسمي بل تاكلت تدريجيا تحت ضغط منظومة أعادت تعريف التعليم بشكل اختزالي سياسات تركز على النتائج والأرقام ومناهج مثقلة بالمحتوى وبيئة مدرسية تقيس النجاح بدرجات الامتحانات لا بمدى نضج الطالب.
في هذا السياق لم يعد المعلم يملك المساحة الكافية للقيام بدوره التربوي بل بات أسير سباق إنهاء المنهاج.
غير أن التحول الأخطر لا يكمن فقط في ضغط المناهج بل في تراجع هيبة المعلم داخل المدرسة.
 فالمعلم الذي كان يوما مرجعية تربوية أصبح في كثير من الحالات حذرا مترددا بل وخائفا من أي إجراء قد يفسر بشكل خاطئ.
 لم يعد ضبط الصف مهمة تربوية بقدر ما أصبح مخاطرة قد تجر عليه مساءلة أو شكوى.
وهنا يبرز دور الأهل الذي شهد بدوره تحولًا ملحوظا فبدل أن تكون العلاقة بين الأسرة والمدرسة قائمة على الشراكة والتكامل أصبحت في بعض الحالات علاقة توتر أو تشكيك حيث بات بعض أولياء الأمور ينحازون مباشرة لأبنائهم دون التحقق من السياق ما أضعف موقف المعلم وأفقده جزءا من سلطته التربوية داخل الصف.
إن غياب الدعم الحقيقي من الأسرة لم يضر المعلم فقط بل انعكس سلبا على الطالب نفسه فالطالب الذي يدرك أن معلمه مقيد وأن أي إجراء ضده قابل للطعن الفوري سيتعامل مع القوانين المدرسية بمرونة مفرطة إن لم يكن بتحد مباشر.
وهنا تفقد المدرسة أحد أهم أركانها وهو الانضباط القائم على الاحترام.
نحن اليوم أمام سؤال صريح هل ما زلنا نتحدث عن تربية وتعليم أم أننا نمارس تعليما مجردا من روحه؟
الواقع يشير إلى اختلال واضح حيث تقدمت المعرفة المجردة وتراجعت القيم والسلوك إلى الهامش.
إن إعادة الاعتبار لدور المربي لا يمكن أن تتم دون إعادة هيبة المعلم داخل المدرسة ليس عبر الخوف أو التسلط بل من خلال احترام متبادل وصلاحيات واضحة وثقة مجتمعية بدوره.
 كما أن استعادة التوازن تتطلب من الأهل أن يكونوا شركاء حقيقيين لا خصوما وأن يدركوا أن حماية أبنائهم لا تعني تبرير أخطائهم بل توجيههم وتحمل مسؤولية تربيتهم.
فالتعليم الذي لا يستند إلى تربية ينجح في تخريج طلاب متفوقين لكنه يفشل في صناعة إنسان والمعلم الذي تسلب هيبته لن يكون قادرا على أداء رسالته مهما امتلك من علم وكفاءة.
السؤال اليوم هل نريد معلما مربيا أم معلما فقط؟

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى