الشيخ صفوت فريج: في الذكرى التاسعة لوفاة الشيخ المؤسس عبد الله نمر درويش.. دروس في الوطنية الحقيقية والمواطنة الواعية

في الذكرى التاسعة لرحيل فضيلة الشيخ المؤسس عبد الله نمر درويش، لا نستحضر رجلًا عابرًا في تاريخ العمل الإسلامي والوطني في الداخل الفلسطيني، بل نستحضر مدرسة فكرية وحركية متفرّدة، تركت أثرها العميق في الوعي، والمنهج، وطريقة قراءة الواقع والتعامل معه.
كان فضيلة الشيخ عبد الله نمر درويش مدرسةً فكريةً وحركيةً متميزة؛ لم يتحدث كغيره، ولم يفكر بعقلية تقليدية جامدة، ولم يُسلّم بالأمر الواقع كما فعل كثيرون، بل امتلك منذ بداياته روح المبادرة، وعقلية التغيير، وإرادة صناعة الواقع، لا الاستسلام له. كان يرى أن الأمم والشعوب التي تفقد قدرتها على التجدد والوعي والتأثير، تتحول مع الزمن إلى مجرد أرقام هامشية في معادلات الآخرين.
تميّز الشيخ عبد الله بقدرة استثنائية على تشخيص الحالة الفلسطينية في الداخل، وفهم طبيعة المجتمع الإسرائيلي، وقراءة التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية بعمق وهدوء. لم يكن يتعامل مع القضايا الكبرى بردود فعل عاطفية أو بشعارات آنية، وإنما بعقلية المفكر الذي يدرس الواقع بكل تعقيداته، ثم يطرح فكره ونهجه وأجندته على أساس فهم دقيق لموازين القوة والتحديات والفرص.
وكان فنانًا بحق في دراسة القضايا الأكثر تعقيدًا وتحليل تفاصيلها؛ يربط بين الثوابت والمتغيرات، وبين الهوية والانفتاح، وبين الأصالة ومتطلبات العصر. لذلك استطاع أن يقدّم نموذجًا فكريًا مختلفًا في التعامل مع قضايا الوجود والهوية والمواطنة والعمل الإسلامي والسياسي.
ومن أعمق ما عبّر به عن رؤيته الفكرية والسياسية حديثه عن العلاقة بين الوطنية والمواطنة، حين قال:
“الوطنية تسكن في قلوبنا ومشاعرنا وشعاراتنا، والمواطنة تسكن في عقولنا”.
بهذه الكلمات القليلة اختصر الشيخ فلسفةً كاملة في فهم الواقع. فهو لم يرَ تعارضًا بين الانتماء الوطني العميق للشعب الفلسطيني، وبين إدارة الحياة اليومية بعقلية المواطنة الواعية والمسؤولة في دولة إسرائيل.
وكأنه كان يقول إن الوطنية هي الماضي والحاضر والمستقبل، أما المواطنة فهي الحاضر وأداة بناء المستقبل. الوطنية عنده كانت جذورًا وهويةً وذاكرةً وتاريخًا وانتماءً، أما المواطنة فكانت أداة للحضور والتأثير وحماية الوجود وانتزاع الحقوق وبناء المستقبل.
وفي هذا المعنى تحديدًا تتجلّى دقة فكره؛ فالوطنية في القلب لأنها تمثل العمق الثابت الذي لا يتبدل، والمواطنة في العقل لأنها تتصل بإدارة الواقع، وفهم الظروف، واختيار الأدوات، والتعامل مع المتغيرات. وكأنه يتحدث عن ثبات القلب وتغيّر الجوارح؛ فالقلب يبقى وفيًا لهويته وانتمائه، أما الجوارح فتتحرك في ميادين الواقع بما تقتضيه الحكمة والمصلحة والمرحلة. الوطنية هي الأصل الراسخ، والمواطنة هي المساحة العملية التي لها حيثياتها وظروفها وأدواتها.
لقد فهم مبكرًا أن الشعوب التي لا تعي طبيعة المرحلة التي تعيشها، ولا تُحسن التعامل مع متغيراتها، تصبح عرضة للتهميش والإقصاء. ولذلك كان يؤكد دائمًا ضرورة الوعي، والتنظيم، والتعليم، وبناء الإنسان القادر على الثبات والتأثير.
ومن هنا جاءت كلمته الشهيرة التي تلخص كثيرًا من رؤيته:
“كل من لم يفرض وجوده الواعي في المتغيرات المتسارعة، تُداس كرامته بلا رحمة”.
لم تكن هذه العبارة مجرد توصيف سياسي، بل كانت دعوة إلى صناعة الحضور الواعي في كل المجالات: في الدعوة، والسياسة، والتعليم، والاقتصاد، والعمل المجتمعي. فقد آمن الشيخ الوالد عبد الله نمر درويش أن البقاء لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالوعي والعمل والتخطيط والقدرة على مواكبة العصر دون التفريط بالثوابت، وفي صلبها العقيدة والإنسان.
وهكذا بقي الشيخ عبد الله نمر درويش نموذجًا للقائد الذي جمع بين الفكر والواقعية، وبين الثبات والمرونة، وبين الانتماء العميق والقراءة الواعية للواقع. ترك مدرسةً ما زالت أفكارها حاضرة في دوائرها الخمس: الإنسانية، والإسلامية، والعربية، والفلسطينية، والمواطنة في دولة إسرائيل.
في الذكرى التاسعة لوفاته، نستحضر هذا الوعي الجريء والواضح؛ وعيًا لا يتخفى ولا يتلون، ولا يقع في الإفراط ولا التفريط، بل يحاول أن يحفظ القلب ثابتًا على انتمائه، والعقل حاضرًا في فهم واقعه، والعمل منضبطًا بمسؤولية المرحلة.
** الكاتب هو رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



