شوقية عروق منصور: أحذية الخليل بين المداهمة والتقليد!

أحياناً تمر على الأخبار فلا يطاردك الخبر ، تشعر أن بينك وبينه مسافات تُشكل خرائط سياسية وجغرافية تصطف عارية أمام شعوبها ، وهذا لا يهمك ، ولكن حين يتقن الخبر تغلغله في مسامات الروح ، ترتدي ثياب اليقظة وتقف على حافة الكلمات.
“الجيش يداهم مصنع للأحذية في بلدة دورا جنوب محافظة الخليل، بحجة ان المصنع ينتج أحذية تحمل علامات تجارية عالمية مقلدة ، وقد قام الجيش بمصادرة آلاف أزواج الأحذية وآلات إنتاج وقد قدرت قيمة البضائع بأكثر من مليوني شيكل”..
بما أننا أصبحنا على مشارف 5 حزيران وهذا التاريخ يذكرنا بنكسة عام 1967، أفتح الذاكرة وأحاول رسم الوجوه التي سمعت بعد مرور عدة أشهر من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، بأن هناك رحلات إلى المدن الفلسطينية ، وتدفق الاشتياق – جنين ، رام الله حين كانت أغنية ” وين ع رام الله ” التي كانت تغنيها الفنانة سلوى زوجة الملحن جميل العاص، الأغنية التي ترمز إلى الحنين وتشعر أن التنهد يخرج مع أمواج الأثير ، وأذكر عندما كنت طفلة كان أبي يدندن بها دائماً ، وكنت أتساءل في طفولتي ” هل رام الله امرأة جميلة مثل سميرة توفيق التي كلما أطلت على شاشة التلفزيون الأردني يجلس جارنا متنهداً .. ويردد هذه النسوان مش مثل اللي عنا ..!!”
أما مدينة نابلس فقد ارتبطت بذاكرتي الطفولية بالصابون النابلسي وبقصة إحدى صديقات جدتي وكان ذلك قبل عام 1948 التي أكدت بالهمس أنها قامت بعمل سحر لزوجها حين أراد أن يتزوج عليها ، فقد أعطت أبنها عقدها الذهبي الثمين وطلبت منه بيعه والذهاب إلى ” السومرة – الطائفة السامرية ” بنابلس لعمل سحر ، وأكدت المرأة لجدتي وهي تضحك أخذ السحر مفعوله ولم يعد زوجها يطلب الزواج .
وأصبحت الرحلات إلى المدن الفلسطينية جزءاً من الطقس الأسبوعي ، حيث يقف الباص في الحارة والنسوة يصعدن وهن بكامل أناقة السعادة ، الفرح بعناق المدن والفرح بالشراء ، فقد كانت الأسواق عامرة بالبضائع والدكاكين ، ويعدن إلى البيوت بالكراتين والأكياس الورقية – لم تكن أكياس النايلون موجودة آنذاك – وما زالت في بيتنا القديم جرة من الجرار الملونة التي كانت تُصنع في غزة ، فقد كانوا يرسمون عليها أشكالاً من الطبيعة ، إما لحظات الغروب ، أو شاطئ البحر .
الكثير من الصور تزاحمت ووقفت عندما رأيت على شاشة التلفاز الجنود يقتحمون مصنع الأحذية في دورا الخليل ، وكان السؤال: هل الحرص على مكانة الماركات العالمية هو سبب هذا الاقتحام ؟؟ والصين وبعض الدول الأسيوية جعلت العالم يتنفس الماركات المقلدة، ولم يعد للعالمية صوتاً إلا عند الطبقة التي تزهو فوق الشاشات ، معلنة الثراء المحشو بحقيبة وحذاء وفستان وعطر وابتسامة إغراء ، ووجوهاً تريد أن تقنع المشاهد أن قيمته الاجتماعية والإنسانية لا تكبر ، إلا إذا ارتدى وعطر وحمل الماركات العالمية .
أحذية الخليل” باتت انتصاراً وطنياً وتحدياً للمنتج الفلسطيني في الظروف القاهرة ، في ظل اختفاء المصانع واغلاق الورشات تحت مسميات عديدة ،أبرزها افراغ المجتمع الفلسطيني من الصناعة.. أما الحجة بأنها تقلد الماركات العالمية فهي حجة بائسة في الزمن الاحتلالي الذي يقص بأصابع الإنتاج ويقوم على نزع الرؤية المستقبلية .
عرفنا سابقاً “حذاء سندريلا”.. الفتاة الفقيرة التي أنقذها الحذاء من مؤامرات زوجة أبيها وتزوجت الأمير.
وعرفنا سابقاً حذاء “أبو قاسم الطنبوري”.. الذي كان كلما يرميه يعود إليه .
وعرفنا سابقاً الرئيس السوفيتي “نيكيتا خربتشوف”.. الذي قام عام 1961 خلال جلسة للجمعية العامة وضرب الطاولة بحذائه احتجاجاً على انتقادات وجهت للاتحاد السوفيتي .
عرفنا حذاء الصحفي العراقي “منتظر الزيدي”.. الذي رمى حذاءه على الرئيس الأمريكي السابق “بوش الأبن” أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده بوش مع رئيس الوزراء العراقي “نوري المالكي” في بغداد عام 2008.
وهناك حذاء المرأة من إحدى قرى الشمال التي حملت فردة من الحذاء في حقيبتها ليكون “شاهد أثبات” على ضرب زوجها لها وعنفه الدائم الذي لم تعد تتحمله ، وعندما وقفت المرأة أمام القاضي في المحكمة ، توجهت إلى القاضي وهي تردد “ضربني بكندرة 48”. وكلما تقدمت من منصة القاضي ابتعد القاضي خوفاً من الحذاء ، حتى صدرت العقوبة بسجن الزوج .
وسيضيف التاريخ صورة جديدة “أحذية الخليل” لتكون عنواناً لمصانع تسجل انتصارها العملي المتقن بالجلد والخياطة والموضة، لكن الاحتلال يقوم على إغلاقها ومصادرة محتوياتها .
وتكبر الصورة ألم تكن الصورة الاحتلالية والاقتحامات ومصادرة الأراضي والممتلكات وهدم البيوت والقهر والأسر هي التقليد الكربوني ، المنسوخ من صفحات تاريخ الاحتلالات في العالم .
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



