الصحفية آمنة الدبش: اليوم التالي في قطاع غزة.. من يحكم ومن يقرر؟

أعاد العدوان المستمر على قطاع غزة طرح واحد من أكثر الأسئلة تعقيداً في المشهد الفلسطيني من سيتولى إدارة القطاع في اليوم التالي للحرب؟ فمع حجم الدمار الهائل والخسائر البشرية والاقتصادية لم يعد الحديث يقتصر على وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل الحكم والإدارة السياسية والأمنية في غزة.
على مدار ما يقارب عقدين من الزمن خضع قطاع غزة لإدارة حركة حماس التي سيطرت على القطاع عام 2007م بعد الانقسام الفلسطيني الداخلي ومنذ ذلك الوقت نشأت منظومة إدارية وأمنية مستقلة عن السلطة الفلسطينية التي بقيت تدير شؤون الضفة الغربية إلا أن الحرب الأخيرة وما أفرزته من متغيرات سياسية وأمنية دفعت أطرافاً إقليمية ودولية إلى البحث عن بدائل أو صيغ جديدة لإدارة القطاع.

** سيناريوهات مطروحة
¤ عودة السلطة الفلسطينية
يُعد خيار عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة أحد أكثر السيناريوهات تداولاً في الأوساط السياسية والدبلوماسية ويستند هذا الطرح إلى فكرة توحيد النظام السياسي الفلسطيني وإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويرى مؤيدو هذا الخيار أن السلطة الفلسطينية تمتلك اعترافاً دولياً واسعاً كما أنها الجهة الرسمية المعترف بها في المحافل الدولية إضافة إلى ذلك فإن وجود سلطة موحدة قد يسهم في تسهيل عملية إعادة الإعمار واستقطاب المساعدات الدولية.
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة أبرزها غياب التوافق الوطني الفلسطيني حول آليات العودة إلى القطاع إضافة إلى الانتقادات الموجهة لأداء السلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية كما أن نجاح هذا الخيار يتطلب ترتيبات سياسية وأمنية معقدة لا تبدو متوافرة حتى الآن.
¤ إدارة فلسطينية انتقالية
يطرح بعض المراقبين خيار تشكيل إدارة فلسطينية انتقالية أو لجنة تكنوقراط مستقلة تضم شخصيات مهنية غير حزبية تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمات العامة لفترة محددة.
ويهدف هذا السيناريو إلى تجنب الخلافات السياسية بين الفصائل الفلسطينية والتركيز على تلبية الاحتياجات الإنسانية وإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية، كما يمكن أن يشكل مرحلة انتقالية تمهد لإجراء انتخابات عامة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة.
غير أن نجاح هذه الصيغة يتوقف على مدى قبولها من مختلف القوى الفلسطينية وقدرتها على العمل باستقلالية بعيداً عن الضغوط السياسية والتجاذبات الداخلية.
¤ الإشراف الدولي أو العربي
برزت خلال الأشهر الماضية مقترحات تتحدث عن دور دولي أو عربي مؤقت في إدارة قطاع غزة سواء عبر بعثة دولية أو لجنة إشراف تضم دولاً عربية بالتنسيق مع المجتمع الدولي.
ويستند هذا الطرح إلى الحاجة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب خاصة في الملفات المتعلقة بإعادة الإعمار والأمن وإدارة المساعدات الإنسانية ، ويرى أنصاره أن وجود جهة دولية أو عربية قد يوفر ضمانات للاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
في المقابل يواجه هذا الخيار تحفظات واسعة داخل الأوساط الفلسطينية حيث يعتبره كثيرون مساساً بالسيادة الوطنية الفلسطينية ويرون أن مستقبل غزة يجب أن يحدده الفلسطينيون أنفسهم من خلال توافق وطني شامل.
¤ عودة النائب محمد دحلان
عاد اسم محمد دحلان إلى واجهة النقاشات السياسية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة مع تصاعد الحديث عن ترتيبات “اليوم التالي” للحرب والجهة التي قد تتولى إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة وبينما تتداول وسائل إعلام عربية ودولية اسمه كأحد الشخصيات المطروحة في بعض السيناريوهات السياسية لا تزال طبيعة دوره المحتمل محل جدل واسع داخل الساحة الفلسطينية.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن دحلان يمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية والسياسية في غزة إضافة إلى شبكة علاقات إقليمية واسعة قد تساعد في دعم جهود إعادة الإعمار وجذب التمويل الدولي والعربي للقطاع كما يشير بعض المحللين إلى علاقاته الإقليمية باعتبارها عنصراً قد يمنحه دوراً في أي ترتيبات انتقالية مستقبلية.
في المقابل، يواجه هذا السيناريو معارضة من أطراف فلسطينية مختلفة إذ ما زالت العلاقة بين دحلان وعدد من القوى السياسية الفلسطينية محل خلاف كما أن تاريخه السياسي والأمني يثير انقسامات حادة بين مؤيديه ومعارضيه. ويرى منتقدوه أن أي محاولة لفرض قيادة جديدة على غزة دون توافق وطني فلسطيني قد تواجه تحديات كبيرة على الأرض.
ورغم كثرة التقارير الإعلامية والتسريبات السياسية لا توجد حتى الآن أي قرارات رسمية فلسطينية أو عربية أو دولية تعلن تكليف النائب محمد دحلان بإدارة قطاع غزة أو تولي منصب رسمي فيه لذلك يبقى الحديث عن عودته في إطار السيناريوهات المطروحة والتكهنات السياسية المرتبطة بمستقبل القطاع بعد الحرب.
* التحدي الحقيقي
لا يتعلق مستقبل غزة فقط بتحديد الجهة التي ستدير القطاع بل أيضاً ببناء نظام حكم قادر على تلبية احتياجات السكان وضمان الاستقرار وإعادة الإعمار وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية.
فأي نموذج للحكم يحتاج إلى شرعية سياسية وقبول شعبي كما يتطلب رؤية واضحة لمعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تفاقمت خلال سنوات الحصار والحروب المتكررة.
يبقى السؤال حول الجهة القادرة على حكم قطاع غزة مفتوحاً على عدة احتمالات لكن المؤكد أن أي صيغة للحكم لن تحقق الاستقرار المنشود ما لم تستند إلى توافق فلسطيني داخلي يضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الفصائلية ويمنح سكان القطاع فرصة حقيقية لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً بعد سنوات طويلة من الصراع والتحديات.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



