ريم الشريف: بين العلم والطبيعة.. كيف تؤثر الفصول الأربعة في أجسادنا ومزاجنا؟

في عالم تضاء شوارعه ليلًا وتعمل مؤسساته على مدار الساعة، قد يبدو أن الإنسان تحرر من تأثير الطبيعة وإيقاعاتها القديمة. لكن العلم الحديث يكشف أن أجسامنا ما تزال تحمل في أعماقها ارتباطًا وثيقًا بالفصول الأربعة، وأن التغيرات التي نشهدها خلال السنة ليست مجرد انعكاس للطقس، بل جزء من إيقاع بيولوجي متجذر فينا منذ آلاف السنين.
يعرف معظم الناس الساعة البيولوجية التي تنظم النوم والاستيقاظ خلال اليوم، لكن الباحثين يتحدثون أيضًا عن “الساعة الموسمية”، وهي مجموعة من التغيرات الجسدية والنفسية التي تحدث استجابة لاختلاف طول النهار وكمية الضوء ودرجات الحرارة بين فصل وآخر.
هذا الارتباط ليس جديدًا. فمنذ العصور القديمة لاحظ الإنسان أن الحياة تسير وفق دورات متكررة. فالأرض تمر بمواسم للإنبات والنمو والحصاد والسكون، والإنسان بدوره كان يشعر بأن طاقته ومزاجه وسلوكه تتغير مع هذه التحولات الطبيعية.
ويُنظر إلى الربيع غالبًا باعتباره موسم البدايات. فمع ازدياد ساعات النهار وعودة الدفء، يشعر كثير من الناس بارتفاع مستويات النشاط والحيوية والرغبة في التغيير. وربما لهذا السبب ارتبط الربيع في الثقافات المختلفة بمعاني التجدد والأمل والانطلاق.
أما الصيف، فيمثل ذروة الحركة والطاقة. فوفرة الضوء الطبيعي تشجع على النشاط الاجتماعي والبدني، وتمنح كثيرين شعورًا بالحيوية والانفتاح. وفي المجتمعات الزراعية القديمة كان الصيف موسم العمل والإنتاج، وهي صورة ما زالت حاضرة بشكل أو بآخر في التجربة الإنسانية الحديثة.
ومع قدوم الخريف يبدأ الإيقاع بالتباطؤ تدريجيًا. تتراجع ساعات النهار وتتغير ألوان الطبيعة، وكأن العالم يستعد لمرحلة جديدة. ويرى بعض علماء النفس أن هذا الفصل يحمل طابعًا تأمليًا يدفع الإنسان إلى مراجعة ما أنجزه وإعادة ترتيب أولوياته.
ثم يأتي الشتاء، الفصل الذي غالبًا ما يُساء فهمه في ثقافة تمجد الإنجاز المستمر. ففي الطبيعة لا يمثل الشتاء توقفًا عن الحياة، بل مرحلة ضرورية لإعادة البناء والاستعداد لدورة جديدة. وتشير الدراسات إلى أن قلة التعرض للضوء خلال هذه الفترة قد تؤثر في المزاج والطاقة لدى بعض الأشخاص، بل وقد ترتبط بحالات تعرف بالاضطراب العاطفي الموسمي.
ورغم أن التكنولوجيا الحديثة خففت من اعتماد الإنسان المباشر على الفصول، فإن الأبحاث لا تزال تكشف عن تأثيرات موسمية في النوم وبعض الهرمونات ووظائف الجهاز المناعي. ويعتقد العلماء أن أجسامنا ما زالت تحتفظ بقدر من الاستجابة لهذا الإيقاع الطبيعي حتى وإن لم ننتبه إليه في حياتنا اليومية.
وربما تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تذكرنا بأن الطبيعة لا تعمل وفق وتيرة ثابتة طوال العام. فهناك أوقات للنمو وأخرى للحصاد، وأوقات للنشاط وأخرى للراحة. وعندما يدرك الإنسان أن التغير جزء طبيعي من الحياة، قد يصبح أكثر قدرة على تقبل دوراته الداخلية بدلًا من مقاومة كل مرحلة يمر بها.
في النهاية، لا تبدو الفصول الأربعة مجرد ظاهرة مناخية، بل لغة كونية تذكرنا بأن كل شيء في الحياة يتحرك ضمن إيقاع متوازن؛ من دوران الأرض حول الشمس إلى نبض القلب داخل الإنسان. وبين هذين الإيقاعين تستمر رحلة الحياة في تبدل دائم.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



