المحامي علي أحمد حيدر: إسرائيل وصيرورة الانهيار المؤسساتي والأخلاقي!

تشهد إسرائيل في السنوات الأخيرة مظاهر متسارعة من التآكل المؤسساتي والأخلاقي، باتت واضحة للعيان لكل متابع للشأن الإسرائيلي. فحالة عدم الاستقرار السياسي، وتفاقم الانقسامات الداخلية، وانتشار العنف والفوضى، وتصاعد العنصرية الرسمية والشعبية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، لم تعد ظواهر متفرقة وهامشية، بل أصبحت سمات بنيوية تطبع الحياة العامة بمجملها.
والأخطر من ذلك أن هذه الأزمة لم تعد تقتصر على مستوى الخطاب، وإنما باتت تنعكس بصورة متزايدة في السياسات والممارسات اليومية، بما يوحي بأن المجتمع والسياسة في إسرائيل يمران بتحولات عميقة تستدعي قراءة نقدية جادة.
لقد أشار الباحث الأكاديمي الدكتور ديمتري شومسكي، في مقاله الأخير المنشور بتاريخ 10 حزيران في صحيفة هآرتس، إلى أن “المجتمع والدولة في إسرائيل يمران حالياً بعملية متسارعة من الانهيار المؤسسي والأخلاقي، تذكّر إلى حدّ كبير بالواقع السياسي والاجتماعي الذي ساد الاتحاد السوفييتي عشية انهياره”.
وما أشار إليه شومسكي لا يبدو مفاجئاً في ضوء ما يجري منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 من عمليات قتل وتجويع وتهجير وتدمير واسعة في قطاع غزة. ويضاف إلى ذلك ما تشهده الضفة الغربية يومياً من اعتداءات يرتكبها الجيش والمستوطنون بحق السكان الفلسطينيين، تشمل الاعتداء على المدنيين، وسرقة الممتلكات، وقطع الأشجار، وتخريب المزروعات، وتهجير السكان من منازلهم، فضلاً عن الاقتحامات الليلية المتواصلة وعمليات الإحراق، وحملات الاعتقال والتنكيل والقتل، والتوسع الاستيطاني المتسارع الذي يحظى بدعم مباشر من الحكومة.
أما في القدس الشرقية، فلا يختلف المشهد كثيراً؛ إذ كثّف المستوطنون من اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، وأصبحوا يؤدون صلواتهم في ساحات الحرم الشريف ضمن أوقات محددة. ولم يعد مستبعداً أن يُفرض في المستقبل القريب تقسيم مكاني على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل. كما أن الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعلى رجال الدين والرهبان، باتت مشهداً مألوفاً ومتكرراً.
وعلى مستوى الداخل الفلسطيني في إسرائيل، تتصاعد موجات التحريض والاستفزاز التي يقودها اليمين المتطرف، رسمياً وشعبياً، ضد المجتمع العربي بصورة غير مسبوقة. ويترافق ذلك مع تفاقم ظاهرة الجريمة المنظمة وتغلغل عصابات الإجرام، في ظل اتهامات متزايدة للشرطة بالتقاعس أو التواطؤ، إضافة إلى استمرار سياسات هدم المنازل ومصادرة الأراضي، ولا سيما في منطقة النقب.
غير أن مظاهر الانهيار الأخلاقي والمؤسساتي لا تقتصر على التعامل مع الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، بل تمتد إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يشهد حالة متفاقمة من التفكك والاستقطاب. فالتوترات بين الشرقيين والأشكناز، وبين الحريديم ومن يؤدون الخدمة العسكرية، وبين سكان الأطراف وسكان المركز، وبين المتدينين والعلمانيين، وكذلك بين مؤيدي “الانقلاب القضائي” ومعارضيه، آخذة في الاتساع والتصعيد واتخاذ أشكال أكثر حدة وعدوانية. ولعلّ الاعتداء الذي تعرض له منزل نائب رئيس المحكمة العليا الأسبوع الماضي( وهو مستوطن أيضاً) من قبل مجموعة من الشبان الحريديم يشكل مثالاً دالاً على هذا المنحى.
وإذا لم يكن ذلك كافياً، فإن عدداً من المواقع الحساسة في مؤسسات الدولة بات خاضعاً لتعيينات يصفها منتقدو الحكومة بأنها غير مهنية، وأنها تخدم مصالح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم. ويشير هؤلاء إلى تعيين شخصيات في مناصب أمنية وإدارية وقضائية رفيعة( على سبيل المثال لا الحصر: تعيين رئيس الشاباك، ورئيس الموساد، ومراقب الدولة…إلخ)، فضلاً عن التأثير في تركيبة بعض لجان التعيين، بما يعزز حضور التوجهات اليمينية المتشددة، ويمنح بعض التيارات ذات النزعات المسيانية نفوذاً متزايداً داخل مؤسسات الدولة.
وفي مستوى آخر، تشهد العلاقة بين السلطات الثلاث ــ التشريعية والتنفيذية والقضائية ــ مزيداً من التوتر والتآكل. فقد صرّح عدد من الوزراء في الآونة الأخيرة، ومن بينهم وزير العدل ووزير الاتصالات ووزير التراث ووزير الأمن الداخلي، بأنهم قد يمتنعون عن تنفيذ بعض قرارات المحكمة العليا. كما تحوّلت الكنيست إلى ساحة لصراعات سياسية حادة ومبادرات تشريعية مثيرة للجدل، من بينها مشاريع قوانين تتعلق بإعدام الأسرى، وتقليص صلاحيات المستشارة القانونية للحكومة، ومنح مراقب الدولة صلاحيات واسعة للتحقيق في أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلافاً لمطالب قطاعات واسعة من الجمهور التي تدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة.
وعلى الصعيد الدولي، تشير استطلاعات رأي وتقارير متعددة إلى تراجع صورة إسرائيل ومكانتها في العديد من دول العالم، واتساع نطاق حملات المقاطعة التي تستهدف مؤسسات وشركات وأكاديميين وفنانين إسرائيليين. كما بات بعض الإسرائيليين يعبّرون عن مخاوف متزايدة من السفر إلى الخارج في ظل تنامي الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية.
ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تتمكن الحكومة الإسرائيلية من تحقيق الأهداف التي أعلنتها للحرب وما زالت الملفات مفتوحة، وما تزال جبهات عدة، في غزة ولبنان واليمن وإيران، تشكل مصدر استنزاف وتوتر مستمر، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة إسرائيل على استعادة قوة الردع التي كانت تتمتع بها سابقاً، وحول مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي داخلها.
يُعدّ أبناء الشعب الفلسطيني، بمن فيهم الفلسطينيون في الداخل، من أبرز المتضررين من هذه التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع والنظام السياسي في إسرائيل. ولذلك، فإن مواجهة تداعيات هذه التحولات تستدعي العمل على مستويات متعددة ومتوازية.
وتقع المسؤولية الأساسية في هذا السياق على عاتق المجتمع اليهودي نفسه، الذي بات مطالباً بالعمل من أجل إنهاء حكم هذه الحكومة المتطرفة واستبداله بحكومة أقل تطرفاً وأكثر التزاماً بالقيم الإنسانية والديمقراطية. ومع ذلك، لا توجد ضمانة بأن تكون الحكومات القادمة أفضل بصورة جوهرية، إذ إن الحكومة الحالية تترك وراءها إرثاً ثقيلاً من الأزمات والانقسامات والملفات المفتوحة، كما أن العديد من القوى والقيادات المرشحة لقيادة البديل السياسي ما زالت تنتمي إلى معسكر اليمين، وبعضها لا يبتعد كثيراً عن مواقف اليمين المتطرف.
وفي المقابل، تقع على عاتقنا نحن المواطنين العرب مسؤولية كبيرة أيضاً. فحساسية اللحظة التاريخية تفرض علينا قراءة الواقع بوعي وعمق، والعمل بصورة مدروسة على تعزيز الوحدة المجتمعية والسياسية، وتقوية مؤسساتنا التمثيلية، والاستثمار في بناء الذات الجماعية، وتوسيع دوائر التأثير السياسي، بما يسهم في حماية مجتمعنا والدفاع عن حقوقه، والسعي إلى تغيير الواقع القائم نحو مستقبل أكثر عدلاً، حرية، وأماناً وبما يساهم في إنهاء الإحتلال ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه الشرعية.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



