حمدان زميرو: بين “فن المستحيل” و”منطق المقايضة”: تفكيك العقدة داخل القائمة المشتركة

السياسة في جوهرها هي “فن جعل المستحيل ممكناً”، والدبلوماسية إذا كُتب لها النجاح، فهي دائماً “محصلة عملية مقايضة”. هذه القاعدة الذهبية هي أدق مفتاح لفهم المشهد الضبابي الحالي، والجدل الجماهيري المحتدم حول إعادة تشكيل “القائمة المشتركة”.
اليوم، يقف الناخب العربي أمام مشهد منقسم إلى كتلتين:
– المجموعة الأولى: (الجبهة + العربية للتغيير + التجمع) والتي تبدو في حالة توافق شبه تام.
– المجموعة الثانية: (القائمة الموحدة) التي تخوض مفاوضات صعبة ومتمسكة بأوراق قوتها.
لكن، أين تكمن العقدة الحقيقية؟ ولماذا يبدو التوافق متعثراً حتى الآن؟ إذا نزعنا العاطفة جانباً ونظرنا إلى كواليس المفاوضات، سنجد أن الخلاف يتمحور حول نقطتين جوهريتين:
1. معركة المسميات: ماذا تعني “التعددية التقنية”؟
تم الاتفاق مؤخراً على مقترح “الموحدة” لتسمية أو توصيف القائمة بـ “التعددية التقنية”. وفي عالم الصياغات السياسية، المسميات ليست عبثاً:
– الطرف الثلاثي يرى في هذا التوصيف مخرجاً ذكياً؛ تحالفاً يجمع أطرافاً مختلفة أيديولوجياً في “سلة انتخابية واحدة” لتعظيم القوة البرلمانية، ورفع سقف الطموح لزيادة عدد المقاعد إلى (15-17) مقعداً من مجمع مقاعد الكنيست الـ 120، دون أن يفرض أي طرف أجندته الفكرية على الآخر.
– في المقابل، يخشى الشارع والجمهور العريض أن يتحول هذا المسمى التقني إلى “تحالف هجين” بلا هوية سياسية موحدة، مما يثير تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام مشروع وطني جامع، أم مجرد شركة مساهمة محدودة لتقاسم المقاعد وجني الأرباح السياسية؟
2. معركة الأرقام: منطق “المقايضة” وحجم القوة
هنا نصل إلى جوهر الدبلوماسية السياسية: المقايضة. الخلاف اليوم ليس على المبادئ، بل على “الأوزان النسبية” وترجمتها في المقاعد الـ 15 الأولى:
– منطق الموحدة: تنطلق الموحدة من واقع رقمي وجماهيري تراه ثابتاً، حيث تمثل -وفق حساباتها وحضورها- حوالي 40% من قوة الناخبين. هذا الوزن يترجمه تفاوضياً مطلبان ثقيلان: رئاسة القائمة، وحصد 7 مواقع من أصل الـ 15 الأولى. لسان حالها يقول: “حجمنا في الشارع يجب أن ينعكس في الصدارة”.
– منطق الثلاثية: يرى هذا المحور أن تاريخ العمل المشترك والتوازن السياسي يتطلب صيغة مختلفة. المطلب المقابل هو أن تذهب رئاسة القائمة للمجموعة الأولى (وتحديداً للجبهة)، على أن تحصل الموحدة على 6 مقاعد من الـ 15 الأولى. فارق المقعد الواحد هنا ليس مجرد رقم رياضي، بل هو رمز لـ “من يملك القرار والسيادة داخل القائمة”، وهو ما ينعكس مباشرة على الوعي الجماهيري وصورة التحالف.
خلاصة المشهد:
الشارع العربي اليوم لا يبحث عن كسر إرادات، بل يبحث عن نضوج سياسي. الموحدة متمسكة بقوتها الجماهيرية (وهذا حقها البراغماتي)، والثلاثية متمسكة بالتوازن التاريخي (وهذا حقها السياسي).
النجاح هنا لن يأتي بالشعارات، بل بـ “مقايضة ذكية” يتنازل فيها الجميع قليلاً لينالوا مكسباً أكبر؛ لأن البديل هو التشرذم، وإعطاء اليمين المتطرف هدية مجانية للمرة العشرين. والنتيجة الحتمية لغياب التنازل هي عودتنا جميعاً إلى نقطة الصفر.
هل ستنجح الدبلوماسية في إيجاد “السعر المناسب” لهذه الصفقة السياسية؟ أم أن “المستحيل” هذه المرة سيبقى مستحيلاً؟
** “شاركوني آراءكم في التعليقات: هل ترون أن الخلاف على مقعد واحد (6 مقابل 7) أو على رئاسة القائمة يبرر غياب التحالف، أم أن تعظيم القوة البرلمانية المشتركة لمواجهة اليمين المتطرف يجب أن يكون الأولوية؟”
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



