د. رافع يحيى: ما وراء الصورة الظاهرة

 

كثيرًا ما نحكم على الآخرين من خلال ما نراه لأول وهلة؛ من مظهرهم الخارجي، أو طريقة كلامهم، أو المكانة التي يشغلونها في المجتمع. غير أنّ هذه الأحكام غالبًا ما تكون ناقصة، لأنها تستند إلى جزء صغير من الحقيقة وتغفل أجزاءً أكبر وأكثر عمقًا.

تعبّر عبارة الأديبة غادة السمان: «هناك أشياء أخرى فيَّ عدا لحمي الأسمر، عليك أن تراها» عن هذا المعنى الإنساني العميق. فهي تدعو إلى تجاوز النظرة السطحية التي تختزل الإنسان في شكله أو صفاته الظاهرة، والانتقال إلى رؤية جوهره الداخلي بما يحمله من أفكار ومشاعر وتجارب وأحلام.

فالإنسان ليس مجرد صورة تُرى بالعين، بل عالم كامل من الذكريات والآمال والانكسارات والنجاحات. وقد يبدو شخص ما قويًا من الخارج، بينما يخفي في داخله معارك لا يعلم بها أحد. وقد يبدو آخر عاديًا في نظر الناس، لكنه يحمل من الحكمة والخبرة ما يجعله استثنائيًا.

إنّ مشكلة الأحكام السريعة أنها تحرمنا من اكتشاف حقيقة البشر. فكل إنسان يشبه كتابًا لا تكفي قراءة عنوانه للحكم على مضمونه. لذلك فإنّ الفهم الحقيقي للآخرين يحتاج إلى الإصغاء والحوار والتأمل والصبر.

وفي زمن أصبحت فيه الصور والانطباعات السريعة تتحكم في كثير من العلاقات، تزداد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا متعدد الأبعاد. فالرؤية العادلة لا تتوقف عند المظهر، بل تمتد إلى الأعماق حيث تتشكل الهوية الحقيقية.

لذلك فإنّ الحكمة تقتضي أن نتريث قبل إصدار الأحكام، وأن ندرك أن ما نراه ليس سوى جزء من الصورة، أما الجزء الأكبر فيبقى خفيًا وراء الملامح والكلمات الأولى. ومن هنا تبدأ معرفة الإنسان معرفةً حقيقية، قائمة على الفهم لا على الظن، وعلى الاكتشاف لا على الاختزال.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى