د. غزال أبو ريا: لا تلهثوا وراء المنصب… فالقائد الحقيقي لا يحتاج إلى لقب!

هناك لقاءات تبقى راسخة في الذاكرة، ليس بسبب شهرة أصحابها فحسب، بل بسبب الفكرة التي تتركها في النفس. ومن هذه اللقاءات، أستذكر زيارة الكاتب العالمي باولو كويلهو إلى بيتي في مدينة سخنين عام 1999، حيث دار بيننا حديث ما زلت أستحضره حتى اليوم.

ومن بين ما بقي عالقًا في ذاكرتي قوله لي: “يمكنك أن تكون قائدًا مجتمعيًا دون أن تشغل أي منصب.”

كانت كلمات قليلة، لكنها حملت معنى كبيرًا. ومع مرور السنوات، وبعد رحلة طويلة في ميدان التربية والعمل المجتمعي والوساطة والسلم الأهلي، ازددت قناعة بأن القيادة الحقيقية لا تصنعها المناصب، بل تصنعها القيم، والمبادرة، والالتزام بخدمة الإنسان.

وبعد سنوات، قرأت كتاب “القائد الذي لا يحمل لقبًا” للمفكر الكندي روبن شارما، فوجدت أن الفكرة التي يطرحها تنسجم مع تلك الكلمات؛ إذ يؤكد أن كل إنسان قادر على أن يكون قائدًا من موقعه، وأن التأثير لا يرتبط باللقب أو المنصب، بل بالمسؤولية والإخلاص والقدرة على إلهام الآخرين.

لقد علمنا التاريخ أن الرسالة هي التي تصنع القائد، وليس المنصب. فقد أصبح نيلسون مانديلا رمزًا عالميًا للحرية وهو لا يزال سجينًا، قبل أن يصبح رئيسًا لجنوب أفريقيا، وقاد المهاتما غاندي شعبه نحو الاستقلال بقوة المبادئ واللاعنف، لا بقوة السلطة. كما أن شخصيات مثل مارتن لوثر كينغ الابن تركت أثرًا عالميًا في الدفاع عن العدالة والمساواة، لأن قوة الفكرة كانت أكبر من أي منصب.

وفي حياتنا اليومية أيضًا، نجد معلمًا يغيّر مستقبل أجيال، وطبيبًا يزرع الأمل في نفوس مرضاه، ومتطوعًا يخدم مجتمعه بصمت، ومصلحًا اجتماعيًا يجمع بين الناس ويطفئ نار الخلافات. هؤلاء جميعًا قادة، وإن لم يحملوا لقبًا رسميًا.

إن مجتمعاتنا اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف القيادة. فالقيادة ليست مكتبًا، ولا سيارة رسمية، ولا لقبًا يسبق الاسم، بل هي مسؤولية أخلاقية، وقدرة على خدمة الناس، وصناعة الأمل، وإيجاد الحلول، وبناء الثقة.

ولهذا أقول لكل شاب، ولكل من يعمل في الشأن العام:

لا تلهثوا وراء المنصب… بل اسعوا إلى الرسالة.

لا تجعلوا المنصب غاية، بل اجعلوه وسيلة إن جاء. فالمنصب قد يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه احترام الناس ولا محبتهم. أما الأخلاق، والنزاهة، والعطاء، والتواضع، والإخلاص، فهي التي تبني القائد الحقيقي.

كم من مسؤول انتهى ذكره بانتهاء منصبه، وكم من إنسان بسيط بقي حيًا في وجدان الناس لأنه خدمهم بصدق، ووقف معهم في المحن، وترك أثرًا لا يُنسى.

القائد الحقيقي لا ينتظر أن يُعيَّن، بل يبدأ من المكان الذي يقف فيه. لا يسأل: ما المنصب الذي سأصل إليه؟ بل يسأل: ما الأثر الذي سأتركه؟

فالناس قد تنسى المناصب، لكنها لا تنسى من وقف إلى جانبها، ومن منحها الأمل، ومن جمع شملها، ومن ترك بصمة خير في حياتها.

لا تلهثوا وراء المنصب، فالمناصب زائلة، أما الرسالة فباقية، والألقاب تُنسى، أما الأثر الطيب فيبقى خالدًا في ذاكرة الأجيال.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى